دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٠٨ - * الجهة الثانية في أقسام استصحاب الكُلّي
بدخول زيد في المسجد ، ثم عَلِمْنا بخروجه بعد ساعة ، لكنـنا احتملنا دخولَ شخص آخَرَ عند خروج زيد أو قبل خروجه بحيث لم يَخْلُ المسجدُ من إنسان ، فهل لنا أن نستصحب بقاءَ وجود إنسان في المسجد أم لا يمكن ذلك ؟
قد يُتخيَّلُ جريانُ الإستصحاب في هذا القسم الثالث مطلقاً ، على أساس تواجد أركانه في العنوان الكُلّي وإن لم تكن متواجدةً في الأفراد .
لكنه اشتباه ، والصحيح هو أنه إنْ كان المنظورُ إليه من الكلّي الطبـيعي هو الطبـيعي ـ كما في مثال الإنسان السالف الذكر ـ فإنّ الطبـيعي الثاني مغاير تماماً للطبـيعي الأوّل ، لأنه وجودٌ آخر ، وليس نفسَ وجود الأوّل . وما أشْبَهَ مسألتـنا هذه بمسألة إعادة المعدوم يوم القيامة ، إذ نقول هناك أيضاً بأنه لا يمكن إعادةُ المعدوم عقلاً ، لأنه وجودٌ آخر ، مهما كان التشابُهُ بـينهما ، ولذلك نقول بأنّ روحَ الإنسان لا تُعدَمُ ، وإنما تبقى موجودة ، ليتـنعَّمَ هو نفسُه أو يتعذّبَ هو نفسُه . المهم هو أنّ أركان الإستصحاب غيرُ تامّة في هكذا حالة ، لأنّ النظر هو إلى الخارج وليس إلى الكلّي .
على أنّ هذا الإستصحاب هنا أيضاً هو استصحاب في الشبهة الحكميّة ، وذلك لأنـنا ـ على الأقلّ ـ نشكّ في صحّة هكذا استصحاب ، والأصلُ عدمُ التعبّد به ، أي الأصلُ عدمُ حجيّته ، بل نحن نستبعد وجودَ إطلاقٍ في أدلّة الإستصحاب لهكذا حالة ، بمعنى أنّ "لا تـنقض اليقينَ أبداً بالشكّ" يـبعُدُ نظرُها إلى حالة تواجد الطبـيعي في فردٍ آخرَ ، وبالتالي يـبعُدُ التمسّكُ بإطلاق اللفظ .
وإنْ كان المستصحَب هو الكلّي من حيث هو كلّي ، كما لو كان المستصحَبُ المشكوكُ البقاءِ مشكوكَ البقاء في بعض مراتبه ، كما في الأعراض ، كالألوان والكيفيّات ، فلو نذر شخصٌ أن يـَبقَى يسبّح اللهَ طالما كان ثوبه أسود ، بأيّ مرتبة من مراتب السواد ، ثم غسلته الزوجةُ بمادّة معيّنة ، ولم نره لكننا شككنا : هل خَفّ لونُه حتى صار رماديّاً الذي هو أدنى مراتب السواد ـ لا كانـتقال الحمرة الشديدة إلى الصفرة ، فإنهما متغايران ـ أو زال عنه السواد بالكليّة ؟ فهل لنا أن نستصحب كلّيّ السواد ؟
فقد تقول : إنه لا يـبعد لزومُ استصحاب كلّيّ السواد في هكذا حالة ، لأنّ الشكّ في هكذا حالة هو شكّ موضوعي كلّي . ومثله في كلّ لون شديد شككنا في زواله تماماً وفي بقائه ولو بأدنى مراتبه فإنـنا نستصحب بقاء كلّيّ اللون ، ولا نبني على زواله بالكليّة . ومثله في الكيفيّات مثلاً ، فلو شككنا في