دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٢٥١ - المَقام الرابع في استحقاق المتجرّي للعقاب وعدمه فنقول
فنقول : نحن حينما نطلق كلمة "يحكم العقلُ .." نقصد بها الحكم العقلي اليقيني الأوّلي ، وحينما نقول بأنّ المتجرّي يستحقّ العقاب عقلاً نقصد أنّ هذا الحكم هو من الاُمور اليقينية الأوّليّة ، لا من المشهورات فقط .
بـيان ذلك : لا شكّ أنك تعلم أنّ اليقينيات ـ وهي الاُمور العقلية الضرورية ـ ستة اُمور وهي : الأوّلِيّات (قالوا هي التي يكفي تصور طرفَيها في الحكم ، فإنه لا بد ألا يشذ عاقل في الحكم بها كقضيّة الكلّ أعظمُ من جزئه) والمشاهَدات (وهي المشاهدات الظاهرة أعني الحسيات والباطنة كالوجدانيات) والتجربـيات والحدسيات والمتواترات والفطريات (قالوا وهي ما يكفي فيها ملاحظةُ نفس القضية ليُجزَمَ بها ، كقولنا الأربعة زوج)[٢٠٨]، ونحن حينما ندّعي حكم العقل في مسألةٍ ما إنما نعني معنى اليقينيات الأوّلية ، وأنا أرى أنّ (حُسْن العدل) و (قبح الظلم) هما من الأوّليات لا من المشهورات .
وادّعى ابنُ سينا والمحقّقُ الطوسي والمحقّقُ الإصفهاني وتلميذه الشيخ المظفّر في اُصول الفقه أنّ (حسن العدل) و (قبح الظلم) هما من المشهورات فقط ـ أي من الآراء المحمودة ـ التي تطابق عليهما نظرُ كلّ العقلاء وليس رصيدهما إلاّ تطابق العقلاء عليهما ! قال ابنُ سينا :"إذا أردت أن تعرف الفرق بين الذائع والفطري فاعرُضْ قولَك (العدل جميل) و(الكذب قبـيح) و(السرقة قبـيحة) على الفطرة وتكلَّفِ الشكَّ فيهما تجدِ الشك متأتِّياً فيهما وغيرَ متأتٍّ في أن الكل أعظم من الجزء وهو حق أوليّ"(إنـتهى بتوضيح قليل) ، ولذلك قالوا ينبغي أن تُستخدم هاتان القضيّتين في باب الجدل دون باب البرهان . وقال الشيخ المظفّر بأنّ الفرق بين المشهورات واليقينيات هو أنّ الحاكم في المشهورات العقل العملي والحاكم في اليقينيات العقل النظري .
وذهب المحقّقُ اللاهيجي في كتابه (سرمايه إيمان) ـ أي رأسمال الإيمان ـ إلى أنّ قضيّتي (العدل حسن) و (الظلمُ قبـيح) من القضايا اليقينية الأوّليّة ، فقال : ـ بعد ترجمته إلى العربـية ـ "إنّ حُسْنَ بعض الأفعال كالعدل والصدق أو قبحها كالظلم والكذب أمر ضروري ، والعقل في قضائه هذا غني عن
[٢٠٨] لا شكّ أنك إن لاحظتَ الفرق بين الأوّليّات والفطريّات عندهم فسوف تشكّك في صحّة ادّعائهم بالفرق بـينهما . وأنا لم أعرف الفرق بـينهما ، المهم هو أنّي أدّعي أنّ حسن العدل وقبح الظلم هي اُمور أوّليّة فطرية تدركها الفطرة ، وأمّا تمثيلهم بالكذب والسرقة ونحو ذلك فيجب أن نعرف إن كانت داخلة في العدل أو في الظلم ، فإنّ الكذب أحياناً جيد ، وكذا السرقة ، كما في حالات الضرورة ، فيكون الكذبُ مثلاً جيداً بل واجباً كما في حالة إنقاذ مؤمن من ملاحقة الظالمين المجرمين ، فيدخل ح الكذب في الإحسان والرحمة .