دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٧٥ - ٨ ـ إستصحاب بقاء الشرائع السابقة وعدمُ نسْخِها
الأول سابق على الثاني ، ولعل ذلك مفهومٌ مِن تأخّرِه في الذكر في لفظ الآية ، إلاّ أن الإنصاف أنـنا لو تأملنا الآية الكريمة لم نجد أي غضاضة في افتراض أن الكتابة متقدمة على العطاء ، فقد كتبها سبحانه عليهم وأعطاهم التجاوب مع هذه الكتابة والإطاعةَ لها وتطبـيقَها في حياتهم فيكون قوله [ما كَـتَبْناها عَلَيْهِمْ] يعني ما كـتبناها عليهم حين كتبناها وذلك في عصر نبـيِّهم المسيح (ع) ، وإلا فكيف بلغهم أن الله تعالى كـتبها عليهم إذا كان ذلك بعده (ع) . الأمر التاسع : إنّ الآية الكريمة تدل على أنّ هذا الجيل من الذين اتبعوا المسيح (ع) قد ابتدعوا الرهبانية ، والإبتداع مصدر مَزيد من الإبداع وهو بمعناه ، وهو الإيجاد على غير مثال سابق ، وهذا له عدة مصاديق : أولاً : انّ الله سبحانه [بَدِيعُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ] يعني أنه خلقها على غير مثال سابق . ثانياً : البدعة في الدين ، لأنه إحداث لشيء لم يكن فيه سابقاً . ثالثاً : كل مَن يكشف نظرية أو يكتشف جهازاً مثلاً فهو مخترع ومبتدِع ، لأنه جاء بشيء لم يَسبق له مثيل . رابعاً : هذه الرهبانية التي لم يكن لها وجود قبل ذلك كما أشرنا وإنما السؤال الآن عن نسبتها إليهم بقوله [ابْتَدَعُوها] ، وجوابه أنّ القرآن الكريم في كثير من الآيات نسب الأشياء إلى أسبابها تارة وإلى الله عزّ وجلّ أخرى ، فمثلاً قال [اِحْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثـنيْنِ] [٨٦٢] فالذي يَحمل في السفينة هو نوح النبيّ (ع) ، وقال [وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ] [٨٦٣] يعني أنّ الذي حملهم على السفينة هو الله سبحانه ، ومثاله الآخر [أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنـتمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ] [٨٦٤]، فإيجاد النار منسوب في نفس الوقت إلى الله عزّ وجلّ وإلى البشر ، وهذا صحيح في الفلسفة كما ثبت في محله . والرهبانية في هذه الآية الكريمة منسوبة بكلتا النسبتين : فهي منسوبة إلى الله عزّ وجلّ [وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً] وهي منسوبة إلى أصحابها بقوله [ابْتَدَعُوها] ، ومثاله مِن بعض الوجوه [وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ] [٨٦٥] كما هو واضح لمن يتأمل ، ولا يتعين أن يكون هذا الإبتداع من البدعة في الدين ، بل الآية نص برضا الله عن هذه الرهبانية وإقراره لها وتشريعه لوجوبها ، فكيف تكون بدعة في الدين ؟!" (إنـتهى) [٨٦٦].
*وقال ابن العربي : "فيها أربع مسائل :
[٨٦٢] هود ـ ٤٠ .
[٨٦٣]مريم ـ ٥٨ .
[٨٦٤]الواقعة ـ ٧١ .
[٨٦٥] محمّد ـ ١٧ .
[٨٦٦] ما وراء الفقه ج ٢ ص ٣٤٨ . ولو قال في الجملة الأخيرة بدل (وتشريعه لوجوبها) "وتشريعه لها" لكان أفضل .