دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٢٤٦ - المَقام الثالث في حرمة الفعل المتجرّى به وعدمه
* إثبات الحرمة بالملازمة :
وذلك بتقريب أنّالعقل إذا قطع بحرمة شيءكالخمر فلا بدّ ـ عقلاً ـ أن يكون نفسُ مقطوعِ الخمريّة أيضاً حراماً عند الله تعالى ، لأنّ اللهمن العقلاء بل رئيسهم .
أقول : هذاالكلام غير صحيح أصلاً ويرد عليه عدّةُ إشكالات .
فإنـنا لا يمكن لنا أن نؤمن بوجود ملازمة بين حرمة الخمر وبين حرمة مقطوع الخمرية ، وذلك لوجود فرق واضح بين (الخمر) و (مقطوع الخمرية) ولا ملازمة بين حرمة الخمر وحرمة مقطوعه ، فالخمر قبـيح ذاتاً قبحاً عظيماً ، وقد يكون مقطوع الخمرية ـ كالخلّ مثلاً ـ نافعاً جداً .
نعم ، نحن ندّعي بأنّ نفس التجرّي قبـيحٌ غايةَ القبح ، وأنه حرام فاعلياً .
بـيان ذلك : لا شكّ في أنّ إقدامَ العاصي على فعل ما يعتقد بأنه حرام هو قبـيح بذاته عند الله تعالى لأنه تجرّؤٌ على مولوية المولى تعالى ، بمعنى أنّ إقدامه الناشئ عن سوء النيّة ـ أو قُلْ إقدامُه على ما يعتقد بحرمته ـ قبـيح جداً عقلاً ، ويكفيك دليلاً وكاشفاً على قبح التجرّي شرعاً : إستحقاقُ المتجرّي للعقاب ، فإنه كاشف واضح على قبح التجرّي ، فإنّ العقل يرى بأنّ لله تعالى أن يعاقب المتجرّي على سوء نيّته وعلى إقدامه على ما يعتقد أنه حرامٌ شرعاً ، وذلك بـبـيان أنّ ملاك العقاب هو : قبح التجرّي وقبح إرادة المعصية وقبح الهمّ بها ، أو قُلْ : القبـيحُ شرعاً هو : ارتكاب ما يعتقد المكلّفُ أنه حرام ومعصية شرعاً .
أمّا أن تقول بأنّ ارتكاب ما يعتقده الإنسان حراماً يصير في نفسه حراماً واقعاً فهذا من المضحكات واقعاً ، بل من القول بالتصويـب الباطل عندنا .
ـ ثم اعلم أنه بما أن الوجه في حرمة التجرّي ليس إلاّ لأنّ المكلّف يتجرّأ على الإقدام على ما يعتقد أنه حرام ، فالحرمةُ لا محالة ستكون فاعلية ـ لا فعلية ـ أي بلحاظ النيّة ، لا بلحاظ نفس العمل .
يقول السيد الشهيد الصدر بأنّ التجرّي قبـيح وموجب لاستحقاق العقاب ولكنه مع ذلك ليس محرّماً شرعاً .
فأقول : إن كان مراده من الحرمةِ (الحرمةَ الفعليةَ) فكلامُه صحيح ، ذلك لأنّ شرب الخلّ ـ ولو باعتقاد كونه خمراً ـ لن يصير ذا مفسدة فعلاً وحراماً في نفسه ، وذلك لأنّ الخلّ مفيد وحلال ، وإن كان يريد من الحرمة (الحرمة الفاعلية) فكلامه غير صحيح ، ذلك لأنّ نفس التجرّؤ على المولى تعالى قبـيح مع غضّ النظر عن كون المشروب خَلاً وحلالاً .