دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٣١ - ١ ـ البراءة العقليّة
قادراً على أن يأمرك أن تصنع له الشاي مثلاً ، ومع ذلك لم يأمُرْك ، فبالوجدان لا يجب على العبدِ الإحتياطُ وصناعةُ الشاي ، حتى ولو ظنّ الخادمُ أنّ سيّدَه يريد ذلك ويوجبُه عليه .
ولله درُّ المحقّق العراقي حينما قال : "لا ريب في أنّ من القضايا المسلَّمة بين الأخباريين والأصوليين بل بين قاطبة العدلية هي قاعدة قبح العقاب بلا بـيان وأنّه لا نزاع بـينهم في أصل هذه الكبرى ، إذ لا يُتوهم اِنكارُها ممّن له أدنَى مِسْكَة ودراية فضلاً عن مثل هؤلاء الأجلاء" (إنـتهى) [٦٣٢] .
أمّا لو كانت المشكلة خارجية كما لو شككت في خمرية المائع الخارجي الفلاني الذي أمامك ، فلا تقصير مِن قِبَلِ المعصومين i، فلا وجه لتطبـيق أدلّة أصالة البراءة والحِلّيّة العقليّتين على المشاكل الناشئة من الخارج ، وذلك لأنّ مواضيع الأحكام الفعلية هي المواضيع الواقعية لا المواضيعَ من حيث هي معلومة ومقطوع بها ، وعليه فقد يحكم العقل بلزوم الإحتياط [٦٣٣].
* * * * *
لا يزال الكلامُ في البراءة ، وانـتهى البحثُ في المقام الأوّل الذي كان في البراءة العقلية ، وخرجنا بصحّة نظريّة قبح العقاب وخطأ نظريّة حقّ الطاعة ، والآن نبحث عن البراءة الشرعية ، وأنت تعلم أنّ الجميع قائلون بالبراءة الشرعية ، وعليه فلا يكون هناك أثر للبحث في صحّة البراءة العقلية أو صحّة أصالة الإحتياط العقلي ، وذلك لورود البراءة الشرعية على البراءة العقلية وعلى الإحتياط العقلي ولعدم قدرة أدلّة الإحتياط على الوقوف في وجه أدلّة البراءة الشرعية كما سيأتي .
إذن كلامُنا الآن في المقام الثاني وهو في البراءة الشرعيّة .
* * * * *
[٦٣٢] نهاية الأفكار تقرير الشيخ محمد تقي البروجردي لأبحاث الشيخ ضياء الدين العراقي ج ٣ في بحث أصالة البراءة ص ١٩٩ .
[٦٣٣] طبعاً كلامُنا هنا إنما هو على مستوى أحكام العقل ، وإلاّ فسيأتيك أنّ قاعدة الحلّيّة أي الشرعية ـ لا أصالة الحليّة العقلية ـ تجري في هذا المورد ، إلاّ أن يكون المورد خطيراً كما في مشكوك الخمرية فح يَمنعُ العقلُ من إجراء قاعدة الحلّ في مشكوك الخمرية ، فإنّ ذهاب العقل أمر في غاية الخطورة ، هذه الخطورةُ تَصرِف قاعدةَ الحِلّ عن شمولها للموارد الخطيرة .