دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٤٠٧ - * أمّا في النقطة الأولى إيضاح بعض الأمور
٣ ـ لا شكّ أنّ العقل لا يَحكُمُ ، بمعنى أنه ليس له أن يخترع حُكْماً وشريعة ، وإنما يُدرك ويَستكشِفُ ، فإنّ العقل ليس في عرْض المشرِّع الحكيم ، ودِينُ الله كاملٌ بلا شكّ عند أحد من المسلمين ولا شبهة ، وليس هناك مِنطقةُ فراغٍ ليخترع فيها العقلُ ما يراه مناسباً .
٤ ـ إنّ أحكامَ العقل العملي تابعةٌ للحُسْنِ والقبح الموجودَين تكويناً في الموارد ، بمعنى أنّ الحُسْنَ والقُبْحَ أمران عقليّان ناشئان من الموارد التكوينية ، وليسا أمرَين اعتباريين ـ كما يدّعي الأشاعرة ـ ولا يوجد شيءٌ في العالَم إلاّ ويتّصف بالحُسْنِ أو القُبْح وبالتالي له حُكْمٌ يناسِبُ مَلاكَه ، وليس الحُسْنُ والقُبْحُ أمرَين يَخترعُهما الشارعُ المقدّس أو عقلُ الإنسان . حتى لو شَرّع الإنسانُ اللونَ الأخضر في الشوارع للزوم انطلاق السيّارات والأصفرَ للتأهّب والأحمر للتوقّف ، فإنّ الناس ح ترى حُسْنَ الإلتزام بقانون السير المذكور ، كي لا يختلّ النظامُ ويحصلَ زحمةُ سيرٍ وتَكْثُرَ الحوادثُ ، فتراهم يقولون بأنّ هذا النظام الجزئي حَسَنٌ لأنه مصداق من مصاديق النظام العامّ ... ولذلك قال العلماء الإماميّة والمعتـزلةُ بأنّ الحُسْن والقُبْحَ صفتان عقليّتان تـنشآن من الواقع الخارجي التكويني حتى ولو كان منشأُ كيفيّة النظام مخترَعاً مِنَ البشر ، وأمّا نفسُ النظامِ فأمْرٌ حَسَنٌ عقلاً وليس حُسْنُه مخترَعاً ، فهو كالعدل تماماً ، أمْرٌ حسنٌ ذاتاً ، بخلاف الأشاعرة الذي ذهبوا إلى أنّ الحَسَنَ هو ما حسّنه الشرعُ والقبـيحُ هو ما قبّحه الشرعُ .
وبتعبـيرٍ آخر : يقول العَدْلِيّة ـ أي الإمامية والمعتـزلة ـ الحُسْنُ والقُبْحُ أمران عقليان ، يَنشآن من ذوات الأفعال ، وكلامُهم هو بلحاظ الإنسان ، وقد يختلف الحُسْنُ والقُبْحُ عند الناظرِين بلحاظ الأجناس أو الأنواع أو الأنظار ، فقد يكون شيئٌ حَسَناً عند بعض الأجناس أو الأنواع أو الأنظارِ وقبـيحاً عند البعض الآخر ، مثلاً : بلحاظ اختلاف الأجناس : التراب جيّد للنبات ، وسيّءٌ للإنسان إذا وُضِعَ في فمه أو في صالون بـيته ، وبلحاظ اختلاف الأنواع : القاذوراتُ عند الإنسان قبـيحةٌ وعند الحشرات حَسَنَةٌ ، وقد يختلف الرأيُ بلحاظ النوع الواحد كما في اختلاف أنظار الناس في مسألة واحدة ـ لا عند الله تعالى وبلحاظ الواقع ـ فقَتْلُ الناصبـي عند المؤمن حَسَنٌ وعند الناصبـي قبـيحٌ ، أي أنه قد تختلف أنظارُ الناس بحسب أغراضهم ومصالحهم ، وأمّا بحسب الواقع وبلحاظ مصلحة الإنسان فلا اختلاف فيها . وقد تكون بعض الأمور حَسَنَةً عند بعض الناس وقبـيحةً عند البعض الآخر بلحاظ اختلاف طبائعهم وأذواقهم ، وذلك في الكثير من الموارد ، كما في موارد الأطعمة والأشربة والثياب ، فقد يكون الطعام الفلاني لذيذاً عند البعض وقبـيحاً عند البعض الآخر ، وقد يكون اللباس الفلاني عند قومٍ حَسَناً وعند قوم قبـيحاً ... كلّ ذلك مبنيٌّ على اختلاف الأذواق والطبائع والأعراف والعادات ... ولكنْ ليس