دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٩٨ - الـوَضْـع
أحدهما : البحوث اللُّغَوية السهلة
والآخر : البحوث التحليلية المعقّدة
أمّا البحوث اللغوية السهلة فينبغي لِعِلْمِ اللغةِ أن يتكفّل بها ، وأمّا البحوث اللغويّة المعقّدة التحليليّة فينبغي لعلم الأصول أن يتكفّل بها ، وذلك كما في آية النبأ ، فهل آيةُ النبأ ـ مثلاً ـ تدلّ على حجيّة خبر العادل أم لا ؟ وبتعبـير آخر : هل تدلّ آية النبأ على المفهوم أم لا ؟
وهل يمكن تـقيـيدُ مُفادِ هيأة جواب الشرط في الجملة الشرطيّة أم لا يمكن بذريعة أنّ مفاد هيأة الجزاء هي معنى حرفي ، والمعنى الحرفي جزئي ، فلا يقبل التـقيـيد ؟
من الواضح أنّ البحث التحليلي بهذا المعنى لا يُرجع فيه إلى مجرد التبادر أو إلى نَصِّ علماء اللغة ، بل هو بحث عِلمي تولاّه علمُ الأصول في حدود ما يترتب عليه أثرٌ في عملية الإستـنباط على ما يأتي إن شاء الله تعالى .
* * * * *
الـوَضْـع
لا شكّ في أنّ الواضع يلاحِظ ـ عند إرادة وضْعِ لفظٍ لمعنى ـ المعنى أوّلاً ثم يضع له لفظاً ، إذن فيكون المدلول الوضعي هو المدلول اللفظي ـ لا المدلول التصديقي ـ أي مع غضّ النظر عن حال المتكلّم .
لكن هل يحصل الوضْعُ بمجرّد أن يقول الواضعُ : "وضعتُ اللفظةَ الفلانـيّة للمعنى الفلاني" ؟ قطعاً لا ، وذلك لأنّ مِن علامات الوضع هو التبادر ، أي من علامات الكشف عن الوضع هو تبادر الناس من اللفظ إلى المعنى من دون قرائن خارجيّة ، ولا يحصل التبادر بمجرّد أن يقول الواضعُ وضعتُ اللفظةَ الفلانـيّة للمعنى الفلاني ، وإنما يحتاج الوضعُ البدْويّ إلى حصول قرن شديد بين اللفظ والمعنى بحيث يتبادر المعنى بمجرّد سماع اللفظ . بل قد يحصل هذا القرن الشديد بين اللفظ ومعناه بكثرة الإستعمال ، لا بوضع شخص معيّن . المهم أن يحصل قرنٌ أكيد بين اللفظ والمعنى ، بذلك يحصل الوضعُ . إذن القرنُ الأكيد هو عِلّة الوضْعِ ...
وعليه يكون التعيـينُ أو كثرةُ الإستعمال هو المرحلة الأولى من مراحل الوضْع ، ثم إذا حَصَلَ القرنُ الأكيد ـ وهو المرحلة الثانية في عمليّة الوضعِ ـ تحصل عمليّةُ الوضْعِ بلا فاصل زماني ـ وذلك لعدم الفاصل الزماني بين العلّة ومعلولها ـ وهي المرحلة الثالثة ، ثم إذا حصل الإستعمالُ ـ ودَعْنا نُعَبِّرُ عنها بـ المرحلة الرابعة ـ يحصل في المرحلة الخامسة تبادُرٌ من اللفظ إلى معناه الموضوع له ، ثم في المرحلة