دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٥٣٧ - هل الإجماع المحصّل حجّةٌ شرعاً أم لا ؟
والجواب على هذا أنه في مسألة الإجماع يصعب الإعتقادُ بصحّة هذا الكلام ، إذ عادةً ما يتأثّر الفقيهُ اللاحقُ بالفقيه السابق في الفتاوَى ، إعتماداً على فقاهة السابق وورَعِهِ .. فإنْ كان السابقُ مشتبهاً ، ولو في فهْمِ الرواية أو اطمأنّ هو شخصيّاً بصحّة سندها أو بصدورها .. سرى الإشتباهُ إلى الثاني ، ثم إلى الثالث .. حتى إذا وصل العدد إلى العشرة مثلاً ، هان ادّعاء الإجماع على المسألة .. وأمّا الفقيه الأخير ـ الذي هو خبـير بهذه التأثّرات والذي رأى بعضَ أمارات الخطأ عند الأوّل ـ فإنه قد لا يطمئنّ بصحّة ما ذهب إليه الأوّل ، وهو يعلم أنّ أغلب من أتى بعد الشيخ الطوسي مباشرةً لم يكونوا محقّقين ، وإنما كانوا مقلّدين له فقط ، وكلّنا يعلم أنّ كثيراً من إجماعات الأوائل ضعيفةُ المدرَك ، لا يُعتمد عليها غالباً ، وخاصةً أنّ الروايات ـ في زمانهم ـ لم تكن كلّها مجموعةً ومفهرسةً كما حصل مؤخّراً في كتاب وسائل الشيعة وكتاب جامع أحاديث الشيعة ومع وجود كتب مفهرسة على اُسطوانات تستخدم في الحاسوب ، تُستكشَفُ بها كلُّ الروايات التي تحتاج إليها فوراً وبسهولة ، فمع عدم وجود كلّ هذه الإمكانات الحديثة ، ومع توفّرها في زمانـنا يصير العُذْرُ عند المتقدّمين ـ في الإشتباهات ـ مقبولاً ، وعندنا مرفوضاً . المهم هو أنّ الفقهاء الأقدمين عملوا بمقدار جهدهم التامّ ، لكن الإمكانات لم تكن متوفّرةً لديهم ، فلم يكونوا ذوي قدرة على التحقيق التامّ ، لقصورهم ـ أي لعدم قدرتهم على الإطلاع على جميع الأحاديث الموجودة بين أيدينا اليوم ـ لا لتقصيرهم ، ولهذا نقول : إنه يصعب مع ما ذكرنا ، الإعتقادُ بصحّة كلّ إجماعات المتقدّمين . نعم يصحّ هذا الكلام في التواتر ، وذلك لعدم تأثّر رواية باُخرى .
ومنها ادّعاء أنّ المجمِعين يدّعون أنّ الحكم الفلاني الذي يُجمِعون عليه يكشف عن حكم الله الواقعي ، أو هو ما ينبغي الإجماعُ عليه ، حتى ولو كان حُكْمُهم ناشئاً من أمارة أو أصل عملي . وبتعبـير آخر ، هناك ملازمة عاديّة بين الإجماع وبين الصحّة ، الواقعية أو الظاهرية .
فأقول : إنِ ادّعَوا أنه حُكْمُ اللهِ الواقعي ولم يدّعُوا مَدْرَكاً لذلك ، فعادةً ما يطمئنّ الخبـير بصحّة قولهم ، وذلك لعدم احتمال أن يُجمِعوا جميعاً على قول ، ولا يوجد لهم عليه دليل واضح وصحيح، وإلاّ لانجرّ الكلامُ إلى الخدْشة بتقواهم وخبرتهم .. وبتعبـيرٍ آخر ، هذا الإجماعُ يـبرِزُ أنّ هذا الحكم كان مرتكزاً وشائعاً وذائعاً ومعروفاً ومشهوراً بحيث استغنَوا عن ذِكْرِ مَدرَكه إلى حدّ أفتَوا كلّهم به ، فلا داعي ح لأن نستشكل بما ذكره المحقّق الإصفهاني بأنهم قد يكونوا اعتمدوا على دليل لا نؤمن نحن بصحّته وبصوابـيتِه ، فنقول : نعم ، هذا صحيح ، ولذلك نحن لا نأخذ بإجماعهم المدّعَى إلاّ إذا كان مقروناً بقرائن تـفيدنا الإطمئـنان والوثوق بصحّة ما ذهبوا إليه ، كأنْ يُجمعَ كلّ القدماء على الحكم ، من زمان عليّ بن بابويه إلى الشيخ الطوسي ، وقد لا يضرّ عندنا خِلافُ القديمين ـ العُماني والإسكافي ـ