دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٩١ - ٩ ـ الرجوع إلى عموم العام أو استصحاب حُكْمِ المخصِّص
الشيخ فاضل اللنكراني : "وأمّا الاستصحاب الموضوعي فلا مانع من جريانه لأنّ نـتيجتَه هو تـنقيحُ موضوع الدليل المخصِّص فلا يعارِضُ العامَّ ، وهذا نظير استصحاب بقاء الفسق في الفاسق الخارج عن عموم (أكرمِ العلماءَ) إذا شُكَّ في بقاء عدم وجوب إكرامه لأجل الشكّ في بقاء فسقه" (إنـتهى كلامُ الشيخ فاضل اللنكراني q) [٨٩٧] .
فأقول : المسألة ليست بذاك الوضوح ، والشكّ هنا هو شكّ حكمي ، لأننا نشكّ هل أنه بخطوتين أو ثلاثة يكون قد خرج من المجلس أم لا ؟ فليس الشكّ في الموضوع ، لأنّ الموضوع واضح ولا شكّ فيه ، وإنما الشكّ في بقاء خيار المجلس في منطقة الشكّ ـ أي عند الخطوة الثالثة ـ فيصعب إجراء استصحاب بقاء خيار المجلس ، لأنه استصحاب حكمي بوضوح ، والظاهر لزوم الرجوع إلى عموم [أَوْفُوا بالعُقُودِ] في منطقة الشكّ ، لأنه عقد ، والخيارُ أمْرٌ إستـثـنائي ، مخالف للعقد .
المثال الثالث : لو تردّد الحدّ الأخير لحرمة وطء الزوجة التي كانت حائضاً ، بين طُهْرِها مِنَ الحيضِ أو بعد غَسل موضعِ الدم أو بعد الإغتسال ، فهل نرجع إلى الإطلاق الأزماني لـ [أنّى شئـتم] ـ في قوله تعالى [نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ ، فَأتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْـتُمْ] [٨٩٨]بناءً على تفسيرها بـ متى شئـتُم وليس أين شئـتم وكيف شئـتُم ـ أو نستصحبُ حرمةَ الوطء ؟
الجواب : لا شكّ في عدم صحّة استصحاب حرمة الوطء لأنه استصحابٌ في الشبهات الحكميّة ، لأنّ الشكّ يكون بعد الطهر من الحيض ، فالحرمةُ كانت حال الحيض ، والآن هي طاهرة ، فتغيّرت الحالةُ ، فانخدش الركن الثاني من أركان الإستصحاب لِتَعَدُّدِ الموضوعِ ، ولذلك قد يكون لهذه الحالةِ الثانية حُكْمٌ آخر في عالم الجعل ، وأنت تعلم أنه لا يصحّ استصحابُ الأحكام في عالم الجعل .
وأمّا بلحاظ الأصل الفوقاني فهي الحِلّيّة ، وحرمةُ الوطءِ أمْرٌ طارئٌ ، وعليه فمع الشكّ في امتداد حرمة الوطءِ يجبُ الإقتصارُ على القدر المتيقّن ـ وهو خصوص حال الحيض ـ بعد عدم جريان استصحاب حرمة الوطء ويجب الرجوعُ في الباقي إلى الإطلاق الفوقاني الأزماني لـ [أنّى شئـتم] في قوله تعالى [نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ ، فَأتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْـتُمْ] . إذَنْ في مثالنا هذا لا يجري الإستصحاب من الأصل .
[٨٩٧] تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة / الإجارة ص ٥٦٣ .
[٨٩٨] البقرة ـ ٢٢٣ . وقد عرفتَ في السابق جوازَ الوطءِ بمجرّد طهرها من الحيض ، وأنه يظهر من الآية المباركة كراهةُ الوطء من دون الإغتسال ، لكنْ كلامُنا هنا على مستوى علم الأصول فقط .