دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٢٩ - (المرحلة الثالثة من سنة ٤٣٦ ـ ١٠٣١ هـ ق)
ومن الطبـيعي أن يتطوّر هذا العِلم على أيدي عظماء تلك المرحلة من قبـيل ابن إدريس والمحقق والعلامة والشهيدين الأول والثاني رحمهم الله جميعاً ، وذلك بسبب الفاصل الزمني بين المرحلة الثالثة وعصر النصوص ، إذ كلما اتسع هذا الفاصل الزمني حدثت مشاكلُ في مجال الإستـنباط وكُلِّفَ عِلْمُ الأصول بدراستها والتـفكير في وضع الحلول المناسبة لها .
وإنما نعتبر بداية المرحلة الثالثة هي بداية مرجعية الشيخ الطوسي لعدّة أسباب :
ـ منها : أنـنا نلحظ من مقدّمة كتاب العِدّة في علم الاُصول للشيخ الطوسي أنّ علم الاُصول لم يُدَوَّن قَبْلَه بشكل مستـقلّ وجيّد ومنقّح ... فشرع في كتاب جامعٍ للشروط المطلوبة [١٦]..
ـ ومنها : هيمنة الشيخ الطوسي على فِكْر الطائفة الشيعية في كلّ العلوم الحوزوية لأكثر من قرن من الزمان وفي كلّ المجالات : في علم الكلام والفقه وأصول الفقه والتـفسير والرجال وغيرها من العلوم ، وإن اشتهر من بين مولّفاته التهذيب والإستبصار والمبسوط والخلاف والنهاية ، لا بل هَيمن إلى يومنا هذا ، فترى فقهاءَنا المعاصرين يتحاشَون التخطّي عن آرائه واستدلالاته الفقهية ، ويتابعونه في كثير منها .
مع أنه برز في هذه المرحلة الثالثة كبارُ العلماء من أمثال سلار المتوفّى ٤٤٨ والقاضي ابن البرّاج المتوفّى ٤٨١ ، وأبي يعلى الجعفري المتوفّى ٤٦٣ ، وابن حمزة من أعلام القرن السادس ، وابن زهرة الحلبي المتوفّى ٥٨٥ هـ ، لكنهم ما تجرّؤوا .. وتباطأت المدرسة الاُصولية والفقهية في تـقدّمها ..
[١٦] قال الشيخ الطوسي في خطبته في أوّل كتابه (العدّة في اُصول الفقه) ص ٣ : "قد سألتُم أيّدكم الله إملاءً مخـتـصراً في أصول الفقه ، يحيط بجميع أبوابه على وجه الإخـتـصار والإيجاز على ما تـقـتـضيه مذاهبنا وتوجبه أصولنا ، فإنّ مَن صَنّف في هذا الباب سلك كلّ قوم منهم المسالك التي اقـتـضتها أصولهم ، ولم يصنف أحدٌ من أصحابنا في هذا المعنى ، إلا ما ذكره شيخنا أبو عبد الله رحمه الله في المختصر الذي له في أصول الفقه ولم يستـقصِه ، وشذَّ منه أشياء يحتاج إلى استدراكها ، وتحريرات غير ما حرَّرها ، وإنّ سيدنا الأجل المرتضى قدس الله روحه وإن كثر في أماليه وما يُقرَأُ عليه شرَح ذلك ، فلم يصنِّف في هذا المعنى شيئاً يُرجَعُ إليه ، ويُجعل ظهراً يُستـندُ إليه . وقلتم : إن هذا فَنٌّ مِنَ العلم لا بد من شدة الإهتمام به ، لأن الشريعة كلها مبنـيّة عليه ، ولا يتم العلم بشيء منها من دون إحكام أصولها ، ومن لم يحكم أصولها فإنما يكون حاكياً ومقلِّداً ، ولا يكون عالماً ، وهذه منزلة يرغب أهلُ الفضل عنها . وأنا مجيـبكم إلى ما سألتم عنه ، مستعيناً بالله وحوله وقوته ، وأسأله أن يعينـني على ما يقرب من ثوابه ويـبعد مِن عقابه . وأقدم في أول الكتاب فصلاً يتضمن ماهيةَ أصول الفقه ، وانـقسامها ، وكيفية ترتيب أبوابها ، وتعلق بعضها بـبعض ، حتى أنّ الناظر إذا نظر فيه وقف على الغرض المقصود من الكتاب ، وتبـين من أوله إلى آخره ..." (إنـتهى) .