دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٥٤ - ٧ ـ الأصلُ المـُثْبِت
ومن أصالة بقاء حياة المجنيِّ عليه إلى زمان وقوع الجناية ، ووقوعُ الجناية على الحي الذي هو موضوع الأثر من اللوازم العقلية لبقاء الحياة" (إنـتهى) .
أقول : هذا الفرع لا بُدَّ فيه من القول بعدم صحة استصحاب الحياة لإثبات (وقوع الجناية على الميّت حين كان حيّاً) ، وذلك لعدم إمكان إثباته لإثبات الضمان ، لأنّ هذا (التقارن بين الجناية والحياة) هو لازم عقلي ، على أنه كما يمكن أن تكون الجناية قبل الموت فيكون الجاني ضامناً ، يمكن أن يكون الموتُ قبل الجناية فلا يكون الجاني ضامناً ، فمع التعارض والتساقط يُرجَعُ إلى أصالة عدم الضمان ، بل حتى ولو اعتبرنا الموضوعَ مركّباً من (حياة المجنيّ عليه) و (الجناية عليه) ـ لا بسيطاً ـ لا يمكن إثبات موضوع الحكم بعد دوران الأمر بين سبق الحياة وسبق الجناية ، فيُرجَعُ إلى أصالة عدم الضمان .
*ممّا ذكرنا تعرفُ أنّ الأصل المثْبِتَ لا يُثْبِتُ الآثارَ الشرعيّة المترتّبةَ على اللوازم العقليّة حتى وإن كانت الواسطةُ خفيّةً . بـيانُ الواسطةِ الخـَفِيّة في مثالين :
الأوّل : إذا لامَسَ ثوبٌ رطِبٌ متـنجّسٌ ثوباً طاهراً جافّاً ، والثوبُ المتـنجّسُ كان رطباً سابقاً رطوبةً كثيرة ـ أي رطوبة قابلة للسريان إلى الطرف الملاقَى ـ لكنْ قُبـيلَ الملامسة كانت رطوبته قد قَلّتْ قليلاً بحيث شككنا في بقاء الرطوبة الكثيرة ـ أي الناقلة للقذارة ـ وبالتالي شككنا في انـتقال القذارةِ منه إلى الثوب الطاهر ، فهنا قال بعض علمائـنا باستصحاب الرطوبة الكثيرة في الثوب المتـنجّس لإثبات (سريان القذارةِ إلى الطرف الآخر) ـ وهو الواسطة التكوينية ـ وبالتالي للحكم بـ (نجاسة الثوب الطاهر) ، قائلين بأنّه صحيحٌ أنّ الحكم بنجاسة الثوب الطاهر متوقّف على حصول (السريان من طرف إلى طرف آخر بنحو القطع) ، وأنّ سريان النجاسة من طرفٍ إلى آخر مطلوبٌ بنحو القطع الوجداني ، أي أننا لو استصحبنا بقاءَ الرطوبة الكثيرة ـ طبعاً بعد المماسّة الوجدانيّة بين الثوبين ـ فسوف نُـثْبِتُ (السرايةَ إلى الطرف الآخر) ـ وهذا أثر عقلي لا شرعي ـ وبالتالي تـَثبُت نجاسةُ الطرف الآخر ، ولكنّ الإنسانَ ـ عادةً ـ لا يلاحِظ أنّ إثباتَ (سرايةِ القذارةِ إلى الطرف الآخر) هو واسطة في إثبات النجاسة في الطرف الآخر ، ويظنّون أنّه بمجرد استصحاب بقاء رطوبة كثيرة في الثوب المتـنجِّس تَـثْبُتُ نجاسةُ الطرف الآخر ، فلذلك قالوا (السريانُ من طرف إلى طرف هو واسطة خفيّة) .
ولذلك استـثـنَى الشيخُ الأنصاري هكذا مورداً من موارد الأصل المثبت فقال : "إنه إذا كانت الواسطة في غاية الخفاء بحيث يُعَدُّ أثرُها أثراً لنفس المستصحَب عرفاً ـ أي بلا واسطة ـ كاستصحاب رطوبة الثوب الذي ألْقَتْهُ الريحُ على أرض متـنجسة جافّة ، فإنّ نجاسة الأرض ليست أثراً مباشراً