دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٩٢٨ - الموقفُ الشرعي في حال تعارض الأمارتين
فقلتُ : جعلت فداك ، فإن وافقهما الخبران جميعاً ؟ قال : يُنظَرُ إلى ما هم إليه أمْيَلُ ، حكامهم وقضاتهم فيُترك ويؤخذ بالآخر ، قلت : فإنْ وافق حُكّامُهم الخبرين جميعاً ؟ قال : إذا كان ذلك فأَرْجِئْهُ حتى تَلْقَى إمامَك ، فإنَّ الوقوف عند الشبهات خيرٌ مِنَ الإقتحام في الهلكات [٩٣٣]وهي مقبولة السند ، وقد ذكرنا بالتـفصيل في تعليقتـنا على الحلقة الثالثة الدليلَ على صحّة هذا السند ، وها أنت ترى رواية صفوان لهذه الرواية ، وأنت تعلم أنّ الطائفة قد أجمعت على ما يصحّ عن أصحاب الإجماع ، وصفوان منهم .
وقولُه (ع) يُنظَرُ إلى ما كان مِن روايتِهما عنّا في ذلك الذي حَكَما به المجمعَ عليه عند أصحابك ـ يعني المشهور عند الأصحاب فتوى وعمَلاً وروايةً ـ فيُؤخَذُ به مِن حُكْمِنا ويُترَكُ الشاذُّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك ـ أي في هكذا حالةٍ لا يكون حجّةً شرعاً أصلاً ـ فإنّ المجمعَ عليه ـ أي المشهور ـ لا رَيبَ فيه ـ أي يُطمأنّ إليه ويوثَقُ به ـ وإنما الأمورُ ثلاثةٌ : أمْرٌ بَـيِّنٌ رُشْدُهُ فيُتَّبَعُ ، وأمْرٌ بَـيِّنٌ غَيُّهُ فيُجتـنبُ ، وأمْرٌ مشْكِلٌ يُرَدُّ عِلْمُهُ إلى الله وإلى رسوله ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : "حلالٌ بَـيِّنٌ ، وحرامٌ بَـيِّنٌ ، وشبُهاتٌ بين ذلك .. ،
وقريبٌ منها ما رواه في يب بإسناده عن محمد بن علي بن محبوب عن محمد بن الحسين (بن أبي الخطّاب) عن ذبـيان بن حكيم (مهمل) عن موسى بن أكيل (كوفي ثقة له كتاب) عن أبي عبد الله (ع) قال : سئل عن رجل يكون بـينه وبين أخٍ له منازعة في حقّ ، فيتـفقان على رجلين يكونان بـينهما ، فحكما فاختلفا فيما حكما ؟ قال : وكيف يختلفان ؟ قال : حكم كل واحد منهما للذي اختاره الخصمان ! فقال : يُنظَرُ إلى أعدلهما وأفقههما في دين الله فيُمضَى حُكْمُه [٩٣٤] ضعيفة السند .
على كلٍّ ، تـفيد مقبولة عمر بن حنظلة ما يلي : (١) وجوبَ تقديم حُكْمِ أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ، ولا يُلتـفت إلى ما يَحكم به الآخَرُ ، فالترجيحُ أوّلاً كان ناظراً إلى الحَكَم ـ لا إلى الراوي ـ وأنت تعلم أنّ الحاكم قد يَرجع في بعض المواضع إلى الأصول العمليّة أو إلى بعض القواعد العامّة أو إلى الأحكام الواقعيّة الثانويّة ... وليس فقط إلى الرواية ، ولذلك قد يُعمِلُ نَظَرَه ويختلِفُ عن الحاكم الآخر في كثير من الجهات في تقيـيم الدعوى ، لأنها دائماً أو كثيراً ما
[٩٣٣] ئل ١٨ ب ٩ من أبواب صفات القاضي ح ١ ص ٧٥ .
[٩٣٤] ئل ١٨ ب ٩ من أبواب صفات القاضي ح ٤٥ ص ٨٨ .