دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ١١٧ - الأمْـر والـنَّـهـي
أمّا مادّة الأمر ـ كقوله تعالى [ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِوَالإِحْسَانِوَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى ] [٧٣] ـ فهي تدلّ على الوجوب بوضوح ، وأمّا صيغة الأمر ـ كما في قوله [ َأَقِيمُوا الصَّلاةَوَآتُوا الزَّكَاةَ [٧٤]ـ فهي تـفيد مطلقَ الطلبِ وذلك بدليل التبادر الكاشف عن الوضع ، ولشعور السامع أنّ هذا الإستعمال في مطلق الطلب هو استعمال حقيقي . وبتعبـير أصحّ : صيغةُ الأمْرِ تـفيد نِسْبَةً إرساليّة وبَعْثِيَّة للمأمور نحو الشيء المطلوب ، وذلك لما قلناه في هيأة الفعل ـ قبل عدّة صفحات ـ من أنّ صيغة الأمر تعني هيأة الفعل وهي حرف فهي بالتالي تـفيد معنى حرفيّاً . المهم هو أنه مع عدم وجود قرائن صارفةٍ عن الطلب ، ينصرف الذهن إلى الطلب ، وهذا كاشف عن الوضع لخصوص الطلب ، ومع عدم وجود قرائن صارفة ينصرف الطلب ـ عرفاً ـ إلى خصوص الوجوب .
نعم هناك بعضُ السياقات تغيّر المعنى الموضوع له ـ وهو الطلب ـ إلى معاني أخرى غيرِ الطلب مثل [ وَجَعَلُوا للهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّوا عَن سَبـيلِهِ ، قُلْ تَمَتَّعُوا ، فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠) [٧٥]، فاللهُ جلّ وعلا ـ في الحقيقة ـ لا يأمرُهم بالتمتّع المحرّم ، وإنما يتهكّمُهم بهذه الكلمة . فإذن بعضُ السياقات قد تَصرِفُ المعنى الحقيقي إلى معنى آخر كالتهكّم مثلاً ـ كما في قوله تعالى[ ذُقْ إِنَّكَ أنت العَزِيزُ الكَرِيمُ (٤٩)] [٧٦]ـ أو التحدّي ـ كما في قوله [ فأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ] [٧٧]ـ أو التسخير ـ كما في قوله تعالى [ كونوا قردةً خاسئين ] [٧٨] ـ أو إرادة التكوين ـ كما في [ كُنْ فَيَكون ] [٧٩] ـ ونحو ذلك ، فهذه السياقاتُ تَصْرِفُ صِيَغَ الأمْرِ إلى معاني اُخرى غيرِ الطلب ، كالتهديد والإنذار والإحتـقار والإهانة والتمنّي والتعجيز ...
المهمّ هو أنّ صيغة الأمرِ تدِلُّ ـ بحسب الوضع ـ على مطلق الطلب ، ومع عدم وجود قرينة صارفة عن معنى الوجوب ينصرف ذهن الناس تلقائيّاً إلى خصوص الوجوب ، لأنّ الوجوب هو أظهر مصاديق الطلب ، إذن لا يُخرَجُ من معنى الوجوب إلاّ بقرينةٍ واضحة صارفة عن إرادة الوجوب .
[٧٣] النحل ـ ٩٠ .
[٧٤] النور ـ ٥٦ .
[٧٥] سورة إبراهيم .
[٧٦] سورة الدخان .
[٧٧] البقرة ـ ٢٣ .
[٧٨] البقرة ـ ٦٧ .
[٧٩] يس ـ ٨٢ .