دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٩١٧ - تطبـيقات للجمع العرفي
الدليلين دالٌّ على الشمول بالوضع والأداة ، والآخر بقرينة الحكمة ، والدالُّ على الشمول بالوضع والأداة أظهرُ دلالةً ، سواء اتصل المطلَق الشمولي بالمطلق البدلي أو انفصل عنه ، اَمّا في حالة الإتصال ـ كما إذا قال المولى (لا تُكْرِمْ أيّ مُتْرَفٍ وأكْرِمْ عالِماً) ـ فلأنّ الدمج يصير بـينهما على مستوى الدلالة التصوّريّة ، بمعنى أنّ (أكرِمْ عالماً) تـتصرّف بالعام على مستوى الدلالة التصوّريّة ، فمِنَ الأصل لا ينعقد دلالة تصوّريّة في وجوب الإكرام إلاّ لعالِم واحد على أن لا يكون مُتْرَفاً ، فإن كان مترفاً ـ وهو محلّ الإلتقاء ـ فإنه يحرم إكرامه ، أي تُـقَدَّمُ جهةُ الحرمة لأنها بالدلالة الوضْعِية ، وجهةُ الوجوب تدلّ على الشمول بالإطلاق ، والدلالة بالوضع أقوى وأظهر من الدلالة بالإطلاق .
وأمّا في حالة الإنفصال ، فلو ورد مثلاً في الكلام الأوّل (لا تُكْرِمْ أيّ مُتْرَفٍ) ، ثم جاءنا ـ في مقام آخر ـ (أكرِمْ عالِماً) فإنّه سيتشكَّل عندنا ح دلالةٌ تصوّريّةٌ لمجموع الكلام ، ولا يؤخَذُ بالدلالة التصوّريّة لـ (أكرِمْ عالِماً) ـ أي لا يؤخذ بإطلاق (أكرِمْ عالِماً) ـ ، وفي مثالنا المذكور سوف تكون النـتيجةُ نفسَ نـتيجة الجمع العرفي السالف الذكر وهو (أكرم عالماً إلاّ أن يكون مُتْرَفاً ، فإنْ كان مُتْرَفاً فإنه يَحْرُمُ إكرامُه حتى ولو كان عالماً) .
وأمّا إذا كان كلاهما بالوضع ـ مثل (يحرم إكرامُ أيّ فاسق) و (يجب إكرامُ أيّ عالم) ـ أو بقرينة الحكمة ـ مثل (يحرم إكرامُ الفاسق) و (يجب إكرامُ عالِمٍ) ـ فقد يقال بأنهما يتساقطان في منطقة الإلتقاء ـ أي في العالِم الفاسق ـ لأنهما متكافئان في الظهور ، ولكنه خطأ ، وإنما يجب تقديمُ الشمولي ـ وهو يحرم إكرامُ الفاسقِ ـ على البدلي ـ وهو يجب إكرامُ عالِمٍ ـ ، وذلك لأنّ النهيَ الشمولي يشمل كلّ فاسق فاسق ، كما تقول (لا تكذب) (لا تسرق) (لا تظلم) ، فكلّ مصداق من الكذب ، وكلّ مصداق من السرقة ، وكلّ مصداق من الظلم منهيّ عنه بملاك إلزامي ، وأمّا البدلي فهو ينظر إلى فردٍ واحد ، ومن غير المستهجَن أن لا يكون العالِمُ واضحَ المعالِمِ من جميع الجهات ، وبالتالي يمكن عرفاً أن يخصَّص بعدم كونه فاسقاً ، أي من غير المستهْجَنِ أن يقال ـ في مقام الجمع العرفي بـينهما ـ "أكرِمِ العالِمَ إلاّ الفاسق فإنه يحرم إكرامه" ، ولا يفهم العرف المعنى التالي "لا تُكْرِمِ الفاسق إلاّ إذا كان عالماً ، فلكَ أن تطبِّق وجوبَ الإكرامِ على الفاسق العالِم" وذلك لأنّ الفاسق منهيّ عن اكرامه ، لفرض وجود مفسدة عظيمة في ذلك ، فلذلك ترى العرفَ لا يجمع الجمع الثاني ـ وهو تطبـيق وجوب إكرامِ العالم على خصوص الفاسق المنهيّ عن إكرامه ـ ويستهجنه جداً . وبتعبـير آخر : أنت مرخّصٌ لك في أن تطبّق (وجوب إكرام العالم) على أيّ عالم ، فلماذا طبّقتَ هذا الترخيصَ على خصوص الفاسق أو الفاجر أو الكافر ؟! أليس العرفُ يقدّمون ـ في هكذا حالةٍ ـ الدليلَ الإلزامي على الدليل الترخيصي