دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٧٢٦ - دوران الأمر بين المحذورَين أو أصالة التخيـير
كان مثالُنا السابق والمشهورُ هو فيما لو تردّد فِعْلٌ واحدٌ بين كونه واجباً أو محرّماً ، هذا ، ولكن قد يكون التردّدُ في فعلين ، إمّا أن يكونا واجبين ، وإمّا أن يكونا محرّمين ، بنحوٍ لا تمكن الموافقةُ القطعيّة ، وهذا أيضاً نحوٌ من أنحاء دوران الأمر بين المحذورَين ، وذلك كما لو تردّدَ العبدُ بين ما لو قال له المولى "صُبَّ الماء على هذا التبغ اليابس الغالي الثمن يومَي الخميس والجمعة" أو أنه قال "لا تصبَّ الماء عليه لا يوم الخميس ولا يوم الجمعة" وسافر المولى ، ولا يمكن السؤال من أحد لمعرفة الجواب ، فماذا يفعل العبدُ ؟
فهل يصبُّ الماءَ عليه يومَ الخميس دون الجمعة ؟ فيكون قد خالف مخالفة قطعيّة ، ولكن ضررها جزئي ـ لو كان هناك مخالفة واقعيّة ـ أي ضررها بنسبة ٥٠% ؟
أو يصبُّ الماءَ يوم الجمعة دون الخميس فيكون قد خالف مخالفة قطعيّة أيضاً ، وأيضاً هنا الضرر جزئي أي بنسبة ٥٠% ؟
أو يصبُّ الماءَ يومَي الخميس والجمعة فيكون قد فعل مخالفة احتماليّة للواقع أي بنسبة ٥٠% ؟
أو لا يصبُّ الماءَ أصلاً لا يوم الخميس ولا يوم الجمعة ؟ فيكون قد فعل مخالفة احتماليّة للواقع أي بنسبة ٥٠% أيضاً ؟ والفرقُ بين الأوّلين والأخيرين هو أنّه في الأوّلين رُوْعِيَ المحتملُ ، وفي الأخيرين رُوْعِيَ الإحتمالُ .
الجواب : لا شكّ أنه مع فرض وجود مَزِيّةٍ في أحد الإحتمالات ـ إمّا في قوّة الإحتمال أو في أهميّة المحتمل ـ يجب تقديمُه عقلاً ، بمعنى أنه قد يكون عند العبدِ ظنٌّ أنّ مولاه قال الصيغة الإيجابـية مثلاً ـ أي قال له "صُبَّ الماء" ـ فيَعمل على أساسها ، وقد يكون صبّ الماء عليه أمراً خطيراً ، فيعمل على هذا الأساس ، أي يترك صبّ الماءِ ، وعلى فرض وجود كلتا المزيّتين المذكورتين المتعارضتين في نفس الوقت ـ أي قوّة الإحتمال وخطورة المحتمل ـ فإنّ على الشخص أنْ يُرَجّح بعقله مهما أمكن ، ومع عدم إمكان الترجيح فلا شكّ أنه يكون مخيّراً ظاهراً [٧٣٦] .
[٧٣٦] وصلتُ إلى هنا يوم الأحد في ٥ نيسان ٢٠١٥ م وهو اليوم ١١ من العدوان الأمريكي السعودي الكافر على اليمن الحبـيـبة المظلومة ، حيث وصل عدد الشهداء ـ وأكثرهم مدنيّون أبرياء ، نساء وأطفال وشيوخ ـ حوالي الـ ٥٠٠ والجرحى ضعف ذلك ، والسعوديّة وقطر لا يتكلّمون في إذاعتَي العربـية والجزيرة إلاّ بإثارة النعرات المذهبـية فقط ، بين السنّة والشيعة ، مع أنّ الوهّابـيـين ليسوا سُنّة أصلاً ، إنما هم نواصب لله ولرسوله ، بل كفّار بدين الله وسُنّة رسوله ، وأمّا السُنّة فجلّهم أو كلّهم ضدّ هذا العدوان الظالم ، وإنّي دائماً أقول في نفسي كيف استطاع رسول الله (ص) أن يفتح الجزيرة العربـية في عشر سنوات فقط ويُدخِلَ أهلَها في الإسلام ؟! لا شكّ أنك ستقول إنّ إسلام الأغلبـية كان ظاهرياً ونفاقيّاً ودنيوياً وبسبب الخوف والرعب ، تعرف ذلك من مقولة الثاني ـ قُبـيل وفاة رسول الله ـ "دَعِ الرجلَ إنه يهجر" ومن يوم السقيفة حيث إنّ كلّ مَن بايع الأوّل لم يُلَبِّ نداءَ رسول الله "أنفروا جيش اُسامة ، لعن الله مَن تخلّف عن جيش اُسامة" فتخلّفوا في المدينة وبايعوه ، فكانوا مشمولين للعنة رسول الله ، وستقول نعرفهم من يوم هجوم الثاني وزبانيته على بـيت عليّ وفاطمة (ع) ، قالوا : إنّ فيه فاطمة ! قال : وإنْ !! وأنا أقول : لعن اللهُ مَن تخلّف عن جيش اُسامة . ولا يزال القصف الجوّي مستمرّاً على المدنيـّين والمنشآت العسكريّة والحكوميّة والمستشفيات ومخازن الأطعمة والأدوية والمدارس في كلّ اليمن حتى الساعة ـ في ٢٩ / ٤ / ٢٠١٥ م الموافق لـ ١٠ رجب ١٤٣٦ هـ ـ ، ولكثرة قتلِهم للناس المدنيـّين وجرائمِهم التي لا يتصوّرها عقلُ بشر انسحبت من تأيـيدها باكستان ومصر وتركيا وغيرُهم ، وذلك بعد أكثر من شهر على القصف السعودي الجوّي المستمرّ ، واستشهاد أكثر من ألف شهيد من اليمن ، وجرح أكثر من ٤٠٠٠ ، وأكثرهم محروقون حروقاً بالغة ، لأنّ أكثر القذائف هي حارقة وخانقة ، والسعوديّة مع ذلك لا تزال حتى اليوم تقصف اليمن رغم إعلانها وقف عاصفة الحزم !!! ورغم القصف المستمرّ أقول : سوف تـنـتصر اليمنُ بصمودها وصبْرِ أهلِها . والعَجَبُ أنهم لم يستغيثوا بأحد ، ومع ذلك قدّمت لهم إيران المساعدات ، ولم تقصّر ، وستـنـتصر اليمن ، وسينـتصر أنصارُ الله بقيادة البطل السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي ، وسوف يُهزَمُ آل سعود شرّ هزيمة في التاريخ ، وسيُمَرّغُ أنْفُهم في تراب اليمن ، ولن يَجْنُوا ـ بعد تدمير اليمن العزيزة ـ إلاّ الخِزْيَ والعارَ في الدنيا والآخرة ، وسينقلب كلّ العالم عليهم ، وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ،وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ، والحمد لله على عظيم رزيّتـنا . وأعلنت اليومَ ـ في ١٢/٣/٢٠١٧ م ـ الأممُ المتّحدة أنّ "عشرين مليون إنسان في اليمن يعيشون أوضاع المجاعة ومرض الكوليرا وأسوأ الحياة في أسوأ حالة تصل إليها الكرة الأرضية" . ومع ذلك لا تزال المملكة العربـية السعودية تقصف المدنيين لإخضاع هذا الشعب الأبي ، والشعبُ اليمني يأبَى الخضوعَ للوهّابـيين المتكبّرين الذي يقتلون العراقيين والسوريين ـ من خلال داعش والنصرة ـ ويقتلون البحرينيين أيضاً .