دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٧٢٥ - دوران الأمر بين المحذورَين أو أصالة التخيـير
لو قال المولى "أكرِمِ العالِمَ" فالأمرُ بالإكرام ـ أي بإيجاد طبـيعة الإكرام ـ يقتضي ـ عملياً ـ وجوبَ الإتيان بأقلّ ما تـتحقّق به الطبـيعة ولو بفردٍ واحدٍ ، لأنّ الطبـيعة توجَد بوجود فرد واحد ، ولذلك يُكتـفى بالإتيان بفرد واحد .
وأمّا في قول المولى "لا تغَنّي" ـ مثلاً ـ فإنّ النهيَ يقتضي ـ عملياً ـ ترْكَ جميعِ أفراد الغناء ، لأنّ الطبـيعة المنهيّ عنها ـ أي موضوع النهي ـ لا تـنعدم إلاّ بانعدام تمام الأفراد ، ولذلك صار النهيُ يستبطن أحكاماً متعدّدة[٧٣٥].
هذا الكلام هو ـ بطبـيعة الحال ـ كلامٌ بَدْوي ، ولذلك يجب التعمّقُ أكثر فنقول : إنك ترى في الروايات أنّ الإنسان إذا صلّى فرادى ثم اُقيمت صلاة الجماعة فإنه يستحبّ له أن يعيدها جماعةً ، إماماً أو مأموماً ، وذلك بإجماع علمائـنا ، وأنّ اللهَ يختارُ "أحبَّهما إليه" وأنه "يصلي معهم ويجعلُها الفريضة" ، إذن فلَمْ تسقطِ المحبوبـيةُ ، ولذلك لم يسقط أصل المطلوبـية ، لأنها مترتّبة على بقاء المحبوبـية ، وإنما سقط الوجوب والإلزام فقط .
إذن كلامُنا قبل قليل بسقوط الطبـيعة المأمورة وإن كان صحيحاً بنحو الإطلاق ودائماً ، ولكنْ قد لا تَسقطُ المحبوبـيةُ في بعض الأحيان ، وإنما قد تَبقى كما نلاحظ في الروايات السالفة الذكر ، هذه المحبوبـيةُ ينشأ منها ـ بطبـيعة الحال ـ الأمرُ بالطبـيعة لكنْ بنحو مطلق المطلوبـية أي بنحو الإستحباب ، وقد لا تَبقَى المحبوبـيةُ كما في قول المولى "أطْعِمْ ولدي" فإنّك تفهم من هذا القول ـ بضميمة عِلْمِكَ بلزوم الإشباع دون التملّي المضرّ ـ لزومَ الإطعامِ إلى حدّ معتدل ، ولا تَبقَى المحبوبـيةُ كما كان الحال في الصلاة .
*مثال آخر لمسألة دوران الأمر بين المحذورَين
[٧٣٥] يلاحَظُ من كلام السيد الشهيد الصدرأنّك قد تـقول "إنّ النهي واحد وهو النهي عن خصوص الطبـيعة" ويُفهم من إطلاق الطبـيعة أنّ النهيَ شمولي" بمعنى أنّ متعلّق النهي في مرحلة الجعل هو الطبـيعة فقط ، فالأمر واحد ، نعم ، بما أنّ المنهيّ عنه هي خصوص الطبـيعة فإنّ النهي يقتضي عملياً ترْكَ تمام الأفراد ، لأنّ الطبـيعة لا تـنعدم إلاّ بانعدام تمام الأفراد . وقد تـقول : لا ، وإنما النهي هو انحلالي ، بمعنى أنه يستـفاد من "لا تظلمْ" ـ مثلاً ـ حرمةَ كلّ ظلم ، فهو إذن أحكام عديدة بحرمة كل ظلم . ولعلّك تعلم أنّ المراد من الإنحلال هو أن يكون النهي سارياً حتى في مرحلة الجعل إلى كلّ ظلم ظلم !!
والصحيح هو الأوّل ، وذلك لأنّ المنظور إليه في مرحلة الجعل إنما هو إلى خصوص طبـيعة الظلم ، لا إلى هذا الظلم وذاك الظلم وذلك الظلم ، نَعَمْ عملياً هذا النهيُ عن الطبـيعة يقتضي تركَ كلّ أفراد الظلم .