دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٥٢٣ - الكلامُ في حجيّة إخبار الثـقة في الموضوعات
لقد سألتـني عن طعام يعجبُني ثم أعطى الغلامَ درهماً فقال : يا غلام اِبْتَعْ لنا جبناً ، ودعا بالغداء فتغدَّينا معه ، وأُتِيَ بالجُبْن فأكل وأكلنا معه ، فلما فرغنا من الغداء قلت له : ما تقول في الجُبْن ؟ فقال لي : أوَ لم ترني أكلتُه ؟ قلت : بلى ، ولكني أحب أن أسمعه منك ، فقال : سأخبرك عن الجُبْن وغيره ، كل ما كان فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه [٥٢٣] .
وكذا رواها بعينها في المحاسن ـ للبرقي ـ عن ابن محبوب عن عبد الله بن سنان عن عبد الله بن سليمان قال : سألتُ أبا جعفر (ع) ، لكن ليس في الروايتين شاهدان عادلان فلا تـفيدنا فيما نحن فيه ، فراجع .
أمّا دلالةً فأغلب الظنّ أنّه إنما يُطلَبُ شاهدان اثـنان لا واحد فقط لأنّ الشخص السائلَ يشتري عادةً من سوق المسلمين ـ وخاصةً بقرينة روايته الثانية عن الباقر (ع) ـ فإن أردنا أن نـتهم البائعَ بأنّ في جبنه مَيتةً فهو أشبه بالدعوى على المسلم ، فيجب أن تـتساقط الدعويان ، على أنّ التقدم هو لصاحب اليد ، فيحتاج حتماً إلى شاهدين عادلين لدحض ادّعاء البائع الذي يدّعي ـ عَمَلِياً ـ أنّ هذا الجُبْن حلال وليس فيه مَيتة . ولذلك فهذه الرواية لا تُـفيدنا عدمَ حجيّة خبر الثـقة في الموضوعات ، فإنّ المورد المذكور أشبه بالتداعي بين المسلمَين ، فيجب أن يُرجع في هكذا حالة إلى شهادة عدلَين .
٣ ـ وفي الكافي عن محمد بن يحيى عن عبد الله بن محمد (بن عيسى) عن علي بن الحكم عن أبان (بن عثمان الأحمر ثقة) عن عيسى بن عبد الله (بن سعد بن مالك القمّي ثقة ثقة) قال : سألت أبا عبد الله (ع) عن صيد المجوس ؟ فقال : لا بأس إذا أعطوكَهُ حيّاً ، والسمك أيضاً ، وإلاّ فلا تجوز شهادتهم عليه اِلاّ اَنْ تَشْهَدَه ، ورواها الشيخ في يب بإسناده عن الحسين بن سعيد عن فضالة (بن أيوب ثقة) عن أبان[٥٢٤] وهي صحيحة السند ، وهي تـفيدنا النهي عن قبول شهادتهم . ولكن هذه الرواية لا تـنفعنا ولا تضرّنا ، وذلك لأنها ناظرة إلى قول الكفّار ، ومصلحتُهم تقتضي ادّعاء أنّ الصيد مذكّى ، والمتشرّعةُ يأبَون عن قبول قولهم في هكذا حالة .
والخلاصة هي أنك رأيتَ في هذه الطائفة أيضاً عدم دلالة روايةٍ فيها على عدم حجيّة خبر الثقة الواحد في الموضوعات .
ثم إنك تعرف أنّ الأصل هو عدم حجيّة خبر الثقة لكونه ظنّاً ، والظنّ ليس حجّة ، لا عقلاً ولا شرعاً ، إلاّ ما خرج بدليل .
[٥٢٣] نفس المصدر ح ١ .
[٥٢٤] ئل ١٦ ب ٣٤ من أبواب الصيد والذبائح ص ٢٤٣ .