دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٧٦٨ - (٢) أمّا الركن الثاني وهو الشكّ في طروء التغيُّر
لا شكّ في عدم صحّة جريان الإستصحاب في الأحكام ولا في الشبهات الحكمية ، وذهب إلى عدم جريان الإستصحاب في الشبهات الحكمية السيدُ الخوئي والمحقّق النراقي[٧٦٧] تبعاً لجميع المحدّثين .
دليلُنا على أنّ الإستصحاب لا يجري في الأحكام ، سواءً كانت الشبهة موضوعية أو حكمية[٧٦٨] ما يلي :
بالنسبة إلى عدم جريان استصحاب الحكم في الشبهة الموضوعية نقول : إنّ المنهج العقلائي هو أن تستصحب عدمَ طروء عارضٍ عَرَضَ على الموضوع ، بمعنى أنه لو شكّ شخصٌ في أنه هل نَذَرَ أن يصلّي صلاةَ الليل شهراً أو شهرين ، فقد تقول بأنّ عليه أن يستصحب بقاءَ الحكمِ ـ وهو الوجوب ـ !! فأقول : هذا غير صحيح ، وإنما عليه أن يَستصحب عدمَ حصولِ النذر للشهر الزائد ، أي أنّ عليه أن ينظر إلى علّة الحكم وموضوعه وسبـبه ، ولذلك عليه أن يـَبقَى على القدر المتيقّن ـ وهو شهر واحد ـ وذلك رجوعاً إلى أصالة عدم الزائد التي تفيد ـ كما قلنا قبل قليل ـ عدم تـنجيز الزائد ، وهذه الأصالة هي في مرحلة العلّة لعدم تـنجيز وجوب الزائد ، ولا يصحّ أصلاً أن نجري الإستصحابَ في الحكم ونغضّ النظر عن موضوعه ، والسببُ في ذلك هو أنّ الحكم ما هو إلاّ معلولٌ وظلٌّ لموضوعه .
مثالٌ آخر : لو شككنا في دخول الليل في شهر رمضان ـ أي بنحو الشبهة الموضوعية ـ فليس لك أن تستصحب عدمَ جواز الإفطار وبقاءَ وجوب الصيام ، وإنما عليك أن تستصحب عدمَ دخول الليل ـ الذي هو في مرحلة موضوع الحكم ـ ويترتّب على ذلك عدمُ جواز الإفطار .
* وأمّا بالنسبة إلى عدم جريان استصحاب الحكم في الشبهة الحكمية فمثالُه ما لو شَكّ فقيهٌ في أنه هل يجب الصيام إلى غروب الشمس أو إلى ذهاب الحمرة المشرقية ـ أي بنحو الشبهة الحُكْمية ـ ، فإنّه ليس له أن يستصحب بقاءَ حرمةِ الأكل وبقاءَ وجوبِ الصيام ، فهذا خطأ ، وإنما عليه أن ينظر إلى مرحلة أصل جَعْلِ الصيام وهل هو إلى غروب الشمس أم إلى ذهاب الحمرة المشرقية ، فيعالج الأمرَ في هذه المرحلة ، لأنّ الحكم الجعلي هو سبب التكليف بالصيام ، وهذا ـ كما قلنا ـ هو المنهج العقلائي الذي يتّبعه كلُّ عقلاء العالَم .
[٧٦٧] راجع المناهج ٢٣٧ ـ ٢٣٨ والمستـند ١ : ١٤ ودروس في أصول الفقه للشيخ حسن طراد العاملي ج ٥ ص ٤٧ .
[٧٦٨] إلا في استصحاب عدم النسخ ، وذلك لأنّ الإستصحاب هنا المرادُ منه الإستصحابُ العقلي ، فعقلُك يأمرُك بعد التحقيق أن تَبقَى على حُكْمِ الآية حتى يَثبُتَ نَسْخُ حُكْمِها .