دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٤٠٩ - * أمّا في النقطة الأولى إيضاح بعض الأمور
يصرّح بحجيّة الأحكامِ العقلية فيقول [أفلا تعقلون] [٣٥١][أفلا يَعْقِلون] [٣٥٢] [لهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بها] [٣٥٣]ونحوَ ذلك ، لا ، بل لو لم يكن الدليل العقلي حجّةً لبطلت كلّ الأدلّة قاطبةً ، ولبطلتْ حجّيةُ القرآن الكريم نفسِه ... وقد يعبَّرُ عن الدليل العقلي بالوجدان وبالبديهة والضرورة ، ولذلك يستحقّ الإنسان العقابَ على عدم اتّباع أحكام عقله الواضحة . أمثلة ذلك : حينما يحرّم اللهُ تعالى كلمةَ (اُفّ) للوالدَين ، فالعقلُ يحكم بحرمة ما فوق ذلك ـ كالضرب ـ بالأولويّة ، وكذا لو صلّيتَ الصلاةَ التامّةَ الأجزاء والشرائط فإنّ عقلَك يَحكم بصحّتها ، وكذا يحكم عقلك بعدم جواز إضرار النفس وإضرار الغَير لأنه ظلم لهما ، ويحكم بعدم إمكان تكليف العاجز لأنه أيضاً ظلم للعاجز ، كما ويرى العقلُ لزومَ الإبتعاد عن معصية الله تعالى وإلاّ لوقع المخالفُ في جهنّم ، وكذا يرى العقلُ لزومَ تحصيل الحجّة في الإفتاء وغيره وذلك لعدم جواز العملِ بالرأي ، ويرى لزومَ أن يكون المرجع مجتهداً عادلاً صالحاً ، لأنه هو الخبـيرُ وهو القدرُ المتيقّن من الناس الذين يجب الرجوع إليهم ، وأيضاً يرى جوازَ أو وجوب تضمين المعتدي أو المفرّطِ البدلَ ، ومع عدم إمكان البدلِ فالقِيمَةَ ... فإذا أردتَ أن تـناقش في حجيّة هذه الأدلّة العقليّة الواضحة فعلَى العقلِ السلامُ ، بل على الدِّينِ السلامُ .
المهم هو أنّ حجيّة الدليل العقلي ـ أي الدليل العقلي القطعي ـ هو أمرٌ واضحٌ عند كلّ العقلاء ، فأنت إذا قطعتَ بوجوب إطاعة المولى تعالى وبحرمة معصيته فإنك ترى ذلك حجّةً عليك بالوجدان ، وإلاّ لمَا قطعتَ ، ولذلك قالوا بالحجيّة الذاتيّة للقطع ، والحكمُ العقلي موجود في اللوح المحفوظ بنظر القاطع ، لذلك فالقاطعُ يَرَى أنه شرعيّ قبل أن تدركه عقولُنا .
* لكنْ يـبقى أنـنا ذكرنا قبل قليل أنّ المؤمن لا يتجرّأُ أن يُفتيَ من عقله ، وذلك لأنه يَحتمل وجودَ مصالحَ ومفاسدَ لم يدركها بعقله ، فقد روى في الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبـيه ، وعن محمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعاً عن ابن أبي عمير عن عبد الرحمن بن الحجّاج (ثقة ثقة ثبت وجه) عن أبان بن تغلب (ثقة فقيه جليل القدر عظيم الشأن في أصحابنا) قال قلت لأبي عبد الله (ع) : ما تـقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع المرأة ، كم فيها ؟ قال : عشرة من الإبل ، قلت : قطع اثـنـتين ؟ قال : عشرون ، قلت : قطع ثلاثاً ؟ قال : ثلاثون ، قلت : قطع أربعاً ؟ قال : عشرون ،
[٣٥١] البقرة ـ ٤٤ و ٧٦ ، وآل عمران ـ ٦٥ والأنعام ـ ٣٢ والأعراف ـ ١٦٩ ويونس ـ ١٦ وهود ـ ٥١ ويوسف ـ ١٠٩ والأنبـياء ـ ١٠ .
[٣٥٢] يس ـ ٦٨ .
[٣٥٣] الأعراف ـ ١٧٩ .