دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٤١١ - * أمّا في النقطة الأولى إيضاح بعض الأمور
حتى العِلْمُ الذي يتخيّل الإنسانُ أنه حَسَنٌ على كلّ حال ، هو ليس حَسَناً بالنسبة لنا على كلّ حال ، قال الله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ،وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ ، عَفَا اللهُ عَنْهَا ،وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) ] [٣٥٥] ، فإنّ بعض الناس ليسوا أبناءً لآبائهم الظاهريين المنسوبين إليهم ، فعِلْمُه بذلك قد لا يكون من مصلحته ولا من مصلحة أبـيه ولا أُمِّه ... المهمّ هو أنّ الحَسَنَ الوحيدَ بنحو الإطلاق هو العدلُ ، وليس العلمَ ولا الصدقَ ولا الإحسان ولا غير ذلك ، والقبـيحُ الوحيدُ بنحو الإطلاق هو الظلمُ ، وليس القتلَ ولا الكذبَ ولا غيرَ ذلك بنحو الإطلاق ، وكلُّ ما يتصوّره الإنسانُ من عناوينَ قبـيحةٍ هي داخلة تحت عنوان الظلم كالإجرام والتشفّي ، فقد يشكّ الإنسانُ في حُسْنِ هذا أو في قُبْحِ ذاك ، وقد يَعلم بحُسْنِه أو بقُبْحِه ولكن لا يتجرّأ على تشخيص حكمه هل أنه على نحو الوجوب أو الإستحباب أو الحرمة أو الكراهة ، وذلك لما قلناه من أنه يَحتمل وجودَ مصالحَ ومفاسدَ لم يدركها بعقله .
أمّا لو كان الأمْرُ واضحاً عند العقلاء بلا شبهة ـ كأصالة البراءة والحِلّيّة والطهارة وحرمة الظلم ووجوب إطاعة الله تعالى ووجوب ردّ الوديعة ـ فلا شكّ ح في وجوده في اللوح المحفوظ عند الباري سبحانه وتعالى ، وح يُفتي الفقيهُ بما يراه واضحاً وله أن يدّعيَ وجودَه في الشريعة ، لا أنّ الشارع المقدّس يَتْبَعُ العقلاءَ في ذلك ، وإنما الشارع المقدّس شرّعَ قبل إدراك العقلاءِ حُكْمَ هذا وحُكْمَ ذاك ، وهذا هو المشهور عند علمائـنا . والظاهر أنّ كلّ الأحكام العقليّة مرجعُها إلى قضيّتَي (العدلُ حَسَنٌ) و (الظلمُ قبـيحٌ) ، فإنّ ادّعاء مشهور العلماء في قولهم بأصالة البراءة مرجعه إلى كون هذه الأصالة هي مقتضى العدل ، وخلافُها ظُلْمٌ قبـيحٌ ، وهكذا الأمر في سائر الأحكام العقليّة .
فإن قلتَ : كيف تدّعي البداهةَ هنا ، وقد قال بعض العلماء ـ كالسيد الشهيد الصدرـ بأصالة الإحتياط ؟!
قلتُ : حصل عندهم شبهةٌ في مقابل بديهة ، والبديهةُ لا تـنـتفي بمجرّد وقوع بعضِهم بالإشتباه ، وقد تعرّضنا لهذه النقطة في بحث قاعدة البراءة[٣٥٦] .
*في نهاية المطاف يجب أن نذكر بعضَ أمور :
[٣٥٥] سورة المائدة .
[٣٥٦] في بحث البراءة العقليّة / عند الكلام في نظريّة قبح العقاب بلا بـيان ونظرية حقّ الطاعة .