دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٢٣٧ - المَقام الثاني في قبح الفعل المتجرّى به وعدمه فنقول
إعلمْ أنّ عنوان التجرّي والإهانة ليسا من العناوين الواقعية للفعل ، فلا يلوّنُ القصدُ السيّئُ الفعلَ الحلالَ بلونٍ غامقٍ أومظلم ، وإنما يـبقى العملُ الحلال على لونه ، كإنقاذ الغريق المؤمن ،فلو أراد شخص أن ينقذ الناصبـي المحاربَ ليحاربنا فأنقذ خطأً المؤمنَ فإنّ فِعْلَه يكون جيداً ، وقصده يكون باطلاً . فالسيّئُ في التجرّي والإهانة هو جهةُ القصد السيّئ فقط لا نفس الفعل ،ويخالفُه تماماً مَن قصَدَ إطاعةَ اللهِ تعالى فصلّى صلاةً معيّنةً وصام في يوم معيّن رجاءَ رِفْدِهِ وطَلَبَ نَيْلِهِ وجائزتِه ، فأخطأ الواقعَ ، فهذا يستحقّ الثواب عقلاً بلا شكّ رغم أنه أخطأ الواقعَ ، وهذا ما قاله سيدنا الشهيد في كتابه (مباحث الأصول) من أنه "قديكون الفعل محبوباً للمولى لما يشتمل عليه من مصالحَ كثيرةٍ، لكنه يقبح صدوره من العبد لكونه تجرّياً منه على المولى بسبب تشخيصه الخاطئ ، وقد يكون مبغوضاً للمولى لما يشتمل عليه من مفاسدَ كثيرةٍ، ولكن يحسن صدوره من العبد لكونه انقياداً منه للمولى باعتبار ما وصله من الحكم الخاطئ" (إنـتهى)[١٩٨] .
* ولا بأس هنا أن نشير إلى خلافٍ وقع بين المحقّق النائيني والسيد الشهيد الصدر رحمهما الله تعالى وهو :
أنّ الأوّل يقول بأنّ التجرّي قبـيح فاعلياً ، وحَسَنٌ فِعلياً[١٩٩]، ومعنى (فاعليّاً) هو بلحاظ صدوره عن الشخص المتجرّئ ، ومثال ذلك : لا شكّ أنّ كنْسَ الشوارعِ في نفسه أمرٌ حسنٌ لما فيه من حصول النظافة ، ولكنْ صدورُه من عالم دين كبـير الشأن أمْرٌ قبـيح وخلافُ المروءة عقلائياً ، فالعمل في نفسه يتّصف بالحُسن الفعلي ، ومع ذلك يتّصف بالقبح الفاعلي أيضاً ، ولا تـناقض بـينهما أصلاً ، لأنّ مرجع ذلك إلى المصلحة في نفس الفعل وإلى المفسدة في صدوره من الفاعل .
أمّا السيد الشهيد فيقول : بأنّ اتّصاف عمل بالحسن أو بالقبح إنما يكون بلحاظ الفاعل ، لا بلحاظ نفس الفعل ، فمثلاً : تقول للصغير ـ إذا أسرع بسرعة كيلومتر واحد في الساعة ـ أحسنـت ، هذا جيد جداً ، ولكن لو صدر ذلك من شاب يـبلغ العشرين عامّاً مثلاً فإنه سوف يكون منه سيّئاً جداً ، ولو عرف الطفلُ الصغيرُ نصفَ جدولِ الضرب لكان منه جيداًجداً ، ولكن ذلك من الكبـير سيّئ جداً ، وهكذا .. إذن ينبغي أن نـنظر إلى الفاعل الذي صدر منه الفعلُ ، فلو قتل الصغيرُ غيرُ المميّز شخصاً بالبندقية وهو لا يعرف ماذا يفعل فلا يقال عمله قبـيح ، وكذا لو وقع حائطٌ على شخص فقتله فلا
[١٩٨] ص ٣١٨ ، قبل عنوان باب جديد وهو قوله (مع القائلين بالقبح الفاعلي) مباشرةً .
[١٩٩] نفس المصدر السابق .