دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٢٢٩ - الأمر الثالث من بحث القطع لزوم الموافقة الإلتزاميّة
هذه الاُصول العملية ـ التي أدّتْ إلى انـتـفاء التـنجّز ـ تـنفي أيضاً وجوبَ الإلتزامِ القلبـي التـفصيلي أم لا ؟
إذن السؤال الأوّل هو : هل أن وجوب الموافقة الإلتزامية التـفصيلية يمنع عن جريان الاُصول العملية الترخيصية إن لم يوجد مانع عن جريانها كما فيما لو كانت أطراف العلم الإجمالي كثيرة إلى حدّ يصير بعض الأطراف خارج محلّ الإبتلاء ـ كما في حالة سوق المسلمين ـ وكما في حالة دوران الأمر بين المحذورين ؟
فنقول : لو سلّمنا وجوبَ الإلتزامِ القلبـي التـفصيلي فذلك لا يمنع من جريان الأصول العملية الترخيصية في أمثال حالة دوران الأمر بين المحذورَين ـ وذلك كما لو تردّدنا في وجوب السورة بعد الفاتحة في ضيق الوقت أو في حرمتها ـ وذلك لأنّ وجوب الإلتزام القلبـي ناظر إلى الواقع ، والأصولُ الترخيصيةُ ناظرةٌ إلى الترخيص على مستوى التـنجيز والظاهر فقط ، فالموردان مختلفان تماماً .
وبتعبـير آخر : ما هو المانع من جريان الاُصول العملية الترخيصية في كلا الطرفين ، بعد أن كانت الاُصول العملية ترخّص فقط في تـنجيز الحكمين المردّدين ، ولا ترخّص فعليّتهما ، فهي لا تـنظر إلى الترخيص الواقعي ، وإنما تـنظر فقط إلى الترخيص الظاهري ، إذن وجوبُ الموافقة التـفصيلية ـ لو سلّمنا به ـ لا يمنع من جريان الأصول الترخيصية ، لأنّ الاُولى ناظرةٌ إلى الواقع والثانية ناظرةٌ إلى الظاهر . هذا أوّلاً ،
وثانياً : ذكرنا سابقاً أنّ لزوم الموافقة الإلتزامية مستقلة عن جريان الاُصول العملية بناءً على رأينا من عدم تقيّد الأحكام الشرعية بالإيمان القلبـي التـفصيلي بها ،
هذا لو كانت هذه الاُصول تجري في موارد العلم الإجمالي ، لكنْ في جريانها إشكالاتٌ معروفة من عدم المقتضي أصلاً ـ لعدم النظر عند جعل الاُصول العملية إلى موارد العلم الإجمالي ، يكشف عن هذا انصرافُ ألْسِنَةِ الاُصولِ العمليّة عن موارد العلم الإجمالي بنظر العقلاء ـ ومن اللغْوِيّة في جريانها ثم تساقطِها ـ على فرض وجود المقتضي ـ .