دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٣٢ - البراءة في الكتاب الكريم
٢ ـ البراءةُ الشرعيّة
* أدلَّة البراءة الشرعيّة :
البراءة في الكتاب الكريم
من الأدلَّة التي استُدِلّ بها على البراءة الشرعيّةِ القرآنُ الكريم ، وهي الآيات التالية :
١ ـ قوله تعالى [لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ،وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ ، لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا ، سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (٧)] [٦٣٤] ،
وتقريب الإستدلال بها أن يقال : إنّ اسم الموصول يُحتمَلُ فيه بدْواً عدّةُ احتمالات :
(١) ـ أن يكون المرادُ به (التكليف) أي لا يكلِّفُ اللهُ نفساً تكليفاً أو بتكليفٍ إلا التكليفَ الذي آتاها ، ويكون إيتاء التكليف وإعطاؤه بمعنى إيصاله إلى المكلَّف خارجاً ، أي لا يكلّف الله نفساً إلاّ بما أعلمها به .
(٢) ـ أن يكون المراد به (المال) وإيتاؤه عبارة عن الرزق ، أي لا يكلِّفُ اللهُ نفساً مالاً أو بمالٍ إلا المالَ الذي رزقه إيّاه ، أي إلاّ بالمقدار الذي رزقهم . فيكون الفرق بين هذا المعنى والمعنى السابق هو أنّ المعنى السابق ناظرٌ إلى عدم الإلزام إلا إذا أعلمَ المولى الناسَ به ، والثاني ناظرٌ إلى عدم التكليف بالنفقة إلاّ بحسب القدرة ، وعليه فيكون المرادُ من قوله تعالى (ما) في المعنى الأوّل هو الإعلام وهو مغايرٌ للمعنى الثاني الذي هو الإقدار على النفقة .
(٣) ـ أن يكون المراد به (الفعل) وإيتاءُ الفعل وإعطاؤه عبارةٌ عن الإقدار عليه ، أي لا يكلِّفُ اللهُ نفساً بفعلٍ إلا الفعلَ الذي أقدره عليه ، أي لا يكلّف اللهُ نفساً بفعلٍ إلاّ بمقدارِ ما أقدرهم عليه ، وهو قريب من الإحتمال الثاني ، إلاّ أنّ الإحتمال الثالث أعمَّ من الإحتمال الثاني .
(٤) ـ أنْ يكون المراد به (الشيء الجامع بين هذه الأمور) ويكون المراد بالإيتاء إعطاءَ كلٍّ بحسبه ، فإعطاءُ التكليف إيصالُه ، وإعطاءُ المال رِزْقُه ، وإعطاءُ الفِعل الإقدارُ عليه ، فكأنّ المولى تعالى يقول "لا يكلِّفُ اللهُ نفساً إلاّ ما آتاها من قدرة ومال وعلم" ، فيكون الإحتمال الرابع أعمَّ من الكلّ .
والآية الشريفة على الإحتمالَين الأوّل والرابع تدلّ على البراءة ، وعلى الثاني والثالث أجنبـية عنها .
[٦٣٤]سورة الطلاق .