دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٧٦٦ - (٢) أمّا الركن الثاني وهو الشكّ في طروء التغيُّر
وبتعبـيرٍ آخر ، يدافَعُ عن الشيخ الأنصاري qبمعلومية جريان الإستصحاب في حياة الزوج وفي حياة المرجع ، ويوجَّهُ ذلك بأنه في حياة المرجع أو الزوج ، هذا الإنسانُ لا يزال موجوداً ولو جسداً ، إنما شككنا في خروج الروح منه فقط ، ولذلك يصحّ أن نُجري استصحابَ عدم خروج الروح منهما ، وبالتالي يجب أن نبني على بقاء حياة المرجع والزوج ، أمّا في مثال تحوّل المنيّ إلى فرس فالموضوعُ تغيّر تماماً ، وتغيّرتِ الماهيةُ ، وزالت القذارةُ عرفاً أو حقيقةً أيضاً ، فلا معنى ح للإستصحاب .
نعم ، يَرِدُ على كلام الشيخ الأنصاري شيءٌ آخَرُ وهو أنه لو فرضنا وقوعَ كلبٍ في مملحةٍ سنةً مثلاً وصارت عظامُه رفاتاً بحيث شككنا في تغيّر ماهيتِه وبالتالي شككنا في زوال النجاسة الذاتية عنه ، فإننا بلا شكّ نستصحب بقاءَ الهوية الكلبـيّة ، وبالتالي يـبقى حكمُ النجاسة ، مع أنّ الشكّ هنا هو في تغيّر الموضوع ، إذن لا يصحّ ما قاله الشيخُ الأنصاري من أنه "يُعتبر في جريان الإستصحاب إحرازُ بقاء الموضوع" ، إذ مع الشكّ في تبدُّلِ الموضوعِ يجري استصحابُ بقاء الموضوع بالإجماع .
كلُّ هذا كان بناءً على ما نُقِلَ ونُسِبَ إلى الشيخ الأنصاري[٧٦٥]، ولكنك إنْ تلاحظ ما كتبه في حاشيته على استصحاب القوانين[٧٦٦] ترى عكسَ ما نُسِبَ إليه تماماً ، قال : "إنّ المناط في الحكم إن كان هو تبدُّلَ الماهية ، فما الدليل عليه ؟ ثم ما هو معيار تبدل الماهية والحقيقة ؟ فقد تراهم يحكمون بطهارة الرماد دون الفحم ، وطهارة الخمر بانقلابِه خلاًّ ، فما الفرق بين الأمرين ؟ بل تبدل العذرة بالفحم ليس بأحق من تبدل الخمر بالخل ، وإن لُوحِظَ فيه تبدُّلُ الخواصِّ بالمرة ففي ذلك أيضاً عرضٌ عريض لا يمكن ضبطُه غالباً .
ويمكن أن يقال : المعيار هو تبدُّلُ الحقائقِ عرفاً لا محضَ تغيُّرِ الأسماء ، وهذا يتم فيما كان مقتضى الحكم هو نفس الحقيقة كالعذرة والكلب ، فإنّ علة الحرمة والنجاسة في أمثالها من النجاسات عيناً والمحرمات عيناً هو ذاتها ، فيَتبع ثبوتُ الحكمِ بقاءَ الحقيقة ، ومع انـتفاء الحقيقة فلا حكم ، فكأنه قال الشارع : الكلب نجس أو حرام ما دام كلباً والعذرة نجسة ما دامت عذرة ، فإذا استحالت ماهيتُه فإنه ينـتفي الحكمُ . وألحق بعض الفقهاء المتـنجسَ ـ كالخشب المتـنجس ـ بالنجس بالأولوية ، وفيه نظر ، فإنّ من الظاهر أن نجاسة الخشب حينـئذٍ ليس لأنه خشب لاقى نجساً بل لأنه جسم لاقى نجاسةً ، وهذا المعنى لم يزل (أي أنّ الجسمية لا تزال باقية ـ الشارح) . والحاصل هو أنّ الحقائق المتخالفة عرفاً ـ كالعذرة
[٧٦٥] بحوث في علم الأصول بحث الحجج والأصول العملية ج ٣ (البراءة ، التخيـير ، والإحتياط) تقريرات الشهيد السيد محمد باقر الصدر تأليف استاذنا السيد محمود الهاشمي رحمه الله تعالى ص ١١٤ .
[٧٦٦] التـنبـيه الثالث ص ٣١٠ .