دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٦ - مسلك جعْلِ الحكم المماثل
إذن يجب القول بصحّة مسلك جعل الحكم المماثل لكن بناءً على ما أفدنا ، سواءً في الشبهات الموضوعيّة ـ لكن لا بمعنى أنّ الله تعالى يجعل حكماً ظاهرياً جديداً ، وإنما بمعنى أنه تعالى يعتبر الشيء الفلاني طاهراً وكأنّ الشيء طاهرٌ واقعاً ، لكن من حيث التـنجيز والتعذير فقط وطالما بقي الجهلُ بالحالة ـ أو في الشبهات الحكميّة ـ كما في البراءة والحِلّ ـ ، ومرادُنا من جعْلِ اللهِ تعالى حكماً ظاهرياً مماثلاً لمؤدّى الأمارة أو مماثلاً للوظيفة العمليّة ، أنه إن دلّ خبرُ الثـقة على وجوب السورة مثلاً فإنّ الله يتعبّدنا بوجوبها ظاهراً ـ لا بمعنى أنه يحكمُ بوجوبها ظاهراً حكماً جديداً ـ ولذلك يتـنجّز الوجوبُ علينا ، وإذا استصحبنا الحالة السابقة ، كان معنى ذلك أنّ الحكمَ يتـنجّز علينا ، وهذا هو مرادنا من جعل الحكم المماثل ، وكان الأَولى ـ بناءً على هذا الفهم ـ أن يسمّى هذا المسلك (مسلك اعتبار الحكم المماثل) ، فنحن بذلك لم نمسّ كرامةَ الجعلِ الواقعي ، ولم ندعِ الجعْلَ الثاني اللَغْوي ، إنما ندّعي أنّ الله تعالى حينما جَعَلَ الحجيّةَ لخبر الثـقة مثلاً فإنما يعني أنه اعتبر مُفادَه حجّة علينا .
إذن يمكن القول بصحّة هذا المسلك في نفسه ـ كما رأيتَ في الأمثلة السابقة ـ فإذا قال الله تعالى بأنّ مرادي من أدلّة الإستـصحاب أن أقول (هذا الثوب طاهرٌ ظاهراً أي إعمل على أساس أنه طاهر) فهذا صحيح ، ولو قال : مرادي من قولي (خبر الثـقة حجّة) أنّ مفاده حجّة فهو يعني أنّ مفاده صار حكماً شرعيّاً منجّزاً عليه واجبَ الإتّباع ، بحيث لو سألتَ المعصومَ عن حكم الماء الذي استصحبت طهارتَه لقال لك وظيفتك أن تبني على طهارته ، ولهذا نقول بجعل الحكم المماثل لكن بالنحو المذكور ، كي لا نقع باللغو . إذن حينما يقول الله تعالى لنا [وما كُنّا مُعَذّبين حتى نَبْعَثَ رَسُولاً] أو [وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يـبين لَهُم مَّا يَتـقون] [٥٠] فإنّ مراده أن يقول إنكم بريئوا الذمّة ، فنحن ح إذا سألْنا اللهَ تعالى عن حكم التدخين مثلاً فسيقول لنا ـ بناءً على أدلّة البراءة المذكورة ـ أنـتم بريئوا الذمّة ، وهذا هو مرادنا من جعل الحكم المماثل ، لا أنّ الله تعالى يجعل حكماً جديداً مضافاً إلى أدلّة البراءة .
أمّا القول بجعل شرعي ظاهري جديد مماثل لمؤدّى الأمارة أو الوظيفة العملية فهذا لغوٌ واضح ، إذ لا داعي لهذا القول أصلاً . فمثلاً : كما كان يكفي أن يقول الله تعالى "الصلاة بالكيفية الفلانية بالشروط الفلانية ومع ترك الموانع الفلانية واجبة" ، فإنْ نحن أقمناها بشروطها كانت صحيحة ، ولا
[٥٠] التوبة ـ ١١٥ .