دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٧ - مسلك جعْلِ الحكم المماثل
داعي لله تعالى أن يقول ـ بعد ذلك ـ حكمتُ على هذه الصلاة بالصحّة ، فإنّ في ذلك لغواً واضحاً ، فكذا ما نحن فيه تماماً [٥١] .
[٥١] وهاك بعض كلمات العلماء في بـيان مسلك جعل الحكم المماثل :
قال الشيخ محمد علي الأراكي في كتابه (درر الفوائد) الجزء الثاني : "من هنا عرفت معنى ما هو المعروف من أنّ الإستصحاب في الأحكام الشرعية عبارة عن جعل الحكم المماثل للمتيقَّن ، وفي الموضوعات عبارةٌ عن جعل آثارها مع وحدة الدليل الدال على ذلك فاضبط" (إنـتهى) ، أي لو شككنا في طهارة هذا الماء الفلاني لكان معنى قاعدة الإستصحاب أنّ الباري جَعَلَ الطهارةَ لهذا الماء ، طبعاً جعْلاً ظاهرياً لا واقعياً .
ولعلّك تعلم أنه يوجد خلاف بين العلماء بين أن يكون جَعْلُ الحجيّة للأمارات وللأصول هو بنحو جعل الحكم المماثل أو أن يكون جعْلُ الحجيّةِ لها بمعنى تـنجيز الواقع وصحّة الإحتجاج ، مع أنه لا فرق بين القولين أصلاً ، لأنّ مرادنا من جعل الحكم المماثل ليس إلاّ القول باعتبار مفاد الأمارة وباعتبار الشيء طاهراً ظاهراً بناءً على الإستصحاب أو قاعدة الطهارة وأنه ليس المراد من جعل الحكم المماثل إلاّ هذا الإعتبار الذي لا تَكَلُّفَ فيه ولا إضافةَ ولا زيادة على اعتبار خبر الثقة حجّة وعلى تشريع الإستصحاب والطهارة والبراءة ونحوها .
وقال الشهيد السيد محمد باقر الصدر في كتابه بحوث في شرح العروة الوثقى ج ٤ في مسألة ٨ من فروع في اختلاف الشاهدين : "وثانياً بالتمسك باستصحاب النجاسة الظاهرية المجعولة على طبق البـينَةبناء على أنّ مفاد دليل الحجية جعل الحكم المماثل" (إنـتهى) ، أي أنّ المولى تعالى يحكم بالنجاسة الظاهرية على طبق البـينة ، وكذلك قال في الحلقة الثانية من كتابه (دروس في علم الأصول) في بحث (وفاء الدليل بدور القطع الطريقي والموضوعي) قال : "وقد تخلص بعض المحققين عن الإعتراض برفض فكرة التـنزيل واستبدالها بفكرة جعْلِ الحكمِ التكليفي على طبق المؤدَّى ، فإذا دلَّ الخبرُ على وجوب السورة حكم الشارع بوجوبها ظاهراً ، وبذلك يتـنجز الوجوبُ ، وهذا هو الذي يطلق عليه مسلك جعل الحكم المماثل" (إنـتهى) . ولعلّك تعلم أنهم حينما ينظرون إلى خبر الثقة يقولون "على طبق المؤدّى" أي مؤدّى خبر الثقة ، وحينما ينظرون إلى الإستصحاب يقولون على طبق المتيقّن ، أي الحالة السابقة المتيقّنة .
وفي كتاب تحقيق الاُصول على ضوء أبحاث الشيخ الوحيد الخراساني حفظه الله تأليف السيد علي الحسيني الميلاني
ج ٢ قال : "أمّا على مسلك جعل الحكم المماثل ، أي أنه بقيام الأمارة على وجوب الجمعة ـ مثلاً ـ يتحقّق جعلٌ من الشارع بوجوبها ، فـفي المورد جعلٌ من الشارع ، وهذا الجعل ليس بلا ملاك ، فإذا امتـثل العبدُ هذا الحكمَ سقط التكليف ، لأنه حكمٌ ذو ملاك ، فلا بُدَّ من القول بالإجزاء على هذا المسلك . لكنْ ليس الأمر كذلك ، لأن الحكم المماثل إنما يكون مجعولاً ما دام موضوعه موجوداً ، إذ لا يعقل بقاؤه بعد زوال موضوعه ، ولا ريب أن الموضوع للأمارة هو الشك ، وإنْ لم يكن الشك مأخوذاً في لسان أدلّتها في مقام الإثبات ، نعم ، قد قيل بكون الشك مأخوذاً في آية السؤال ، وهو من جملة أدلّة اعتبار الأمارة . لكن تقرّر في محلّه عدم تمامية الإستدلال بالآية" (إنـتهى) . أقول : ما فهمه حفظه الله من عدم الإجزاء بناءً على مسلك جعل الحكم المماثل صحيح بلا شكّ ، بل لا ينبغي للقائلين بمسلك جعل الحكم المماثل أن يقولوا بالإجزاء في الحالة المذكورة ، لأنّ المراد من جعل الحكم المماثل ليس بملاك خاصّ ومستقلّ ، وإنما هو بملاك نفس جعل الحجيّة للأمارة ، لذلك إذا تبـين لنا الواقعُ بعد قول خبر الثقة فإنّ ما فعلناه على أساس خبر الثقة سوف يكون باطلاً لا محالة .
وقال أستاذنا العلاّمة السيد رضا صدر في كتابه (الإجتهاد والتقليد) في مسألة العدول عن الحيّ إلى الحيّ : "وإن كانت حجّيّة الفتوى من باب الموضوعيّة بجعل الحكم المماثل على طبق كلّ من الفتويين فحالُ الحكمين حالُ الواجبـين المـتـزاحمين ، فإنّ فرض تخيـير من قِبَلِ الشارع مولويّاً لا إرشاديّاً إلى ما حكم به العقل فالصحيح منه جعل الحكم المماثل على كلّ منهما بنحو التخيير" (إنـتهى) ، وهذا يعني أنّ المولى تعالى يجعل حكماً مماثلاً لفتوى المجتهد ، وأنت تعلم أنّ الفتوى هي من الأمارات .
وقال السيد مرتضى المرتضوي الحسيني اللنگرو د ي في كتابه (الرسائل الثلاثة) في آخر بحث التقليد : "وإن قلنا إنّ مُفاد دليل حجية الأمارات الشرعية جعْلُ الحكم المماثل على طبق مؤدَّياتها ـ كما يقتضيه ظاهرُ الأمر باتباعها ـ فعن شيخنا بل عن غيره أيضا أنّ مقتضاها الموضوعية وصحة العبادة لأن المفروض أنّ مؤداها حكم حقيقي فينـتهي أمدُه بقيام حجة أخرى لا أنه ينكشف خلافه" (إنـتهى) .
ومثله قال الشيخ محمد حسين الإصفهاني في كتابه الإجتهاد والتقليد حيث قال : "كما أنّ الخبر مع حكايته عن الإنشاء المزبور يُـبَلِّغُه إلى مرتبة الفعلية بملاحظة جعل الحكم المماثل على طبق مؤدّاه ، فإنّ فعلية التكليف الواقعي بالتعبّد ليست إلا بملاحظة فعلية الحكم المماثل الواصل بالحقيقة ، كذلك جعل الحكم المماثل على طبق المتيقن سابقاً" (إنـتهى).
هذا وقد نُسِب للمحقّق العراقي أنه يقول بأنّ المراد من مسلك جعل الحكم المماثل هو الحكم الظاهري المماثل للواقع المشكوك ، وبما أنّ هذا الوجهَ ضعيفٌ للغاية فإننا لم نـُثْبِتْه في المتن .