دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ١٩١ - الأمر الأوّل من بحث القطع أقسام القطع
إذن معنى (مقطوع الخمريّة حرام) إن قصدتَ بالقطع فيه القطعَ الطريقي فسوف يكون المعنى ح (الخمر حرام) وح يكون قول المولى (مقطوع الخمريّة حرام) يعني أنّ الخمر الواقعي حرام ، وليس الخمر المقطوع به هو الحرام .
فإذن المراد بالقطع الطريقي هو ثبوت نفس متعلّقه في ذهن القاطع ولو ثبوتاً تعبّديّاً .
أمّا لو قلتَ (مقطوع الخمريّة حرام) وقصدتَ بالقطع فيه القطعَ الصفتي فسيصير المعنى هو (ما تقطع بكونه خمراً) هو الحرام ، وليس (الخمر الواقعي) هو الحرام .
والظاهر مِن أخْذِ شيءٍ زائدٍ في الدليل ـ كما في القطع المأخوذ في موضوع الدليل ـ دخالتُه فيه وإلاّ كان ذِكْرُه لغواً .
توضيح الأمر أكثر : إنه تارةً يكون القطع منظوراً إليه بما هو طريق ومرآة وآلة وكاشف وحاكٍ عن متعلّقه أي لا يكون له موضوعيّة ودخالة في موضوع الحكم حتى ولو ذُكر في لسان الدليل ـ وهو القطع الموضوعي الطريقي ـ فلا يكون لِذِكْرِهِ أيُّ أهميّةٍ في موضوع الحكم ، فيكون قول المولى حينـئذٍ (مقطوع الخمريّة حرام) معناه (الخمرُ حرام) تماماً ، أيّ الخمرُ الواقعي حرام ، فالقطع هنا آلي ومرآة عن متعلّقه ، وذلك كما تـنظر إلى المرآة لترى نفسك فيها ، فلا تلحظُ نفسَ المرآةِ ، وإنما تكون المرآةُ طريقاً فقط وكاشفاً وآلةً لرؤية نفسك ، ولذلك تكون في هكذا حالة غافلاً عن نفس المرآة .
إذن لماذا قد يُذكَرُ القطعُ الطريقي في موضوع الحكم طالما ليس له أيّ فائدة ؟
الجواب : الفائدةُ مِن ذِكْرِه هو التأكيد على لزوم تحصيل العِلم لبعض فوائد ، فإذا قلنا للعامّي "إذا علمت قطعاً بالنجاسة فطهّر الموضع ، وإلاّ فابنِ على الطهارة" فمرادنا مِن ذِكْرِ العِلْمِ هو عدم إيقاعه في الوسوسة وكثرة الإحتياط مع الظنّ بحصول النجاسة ، فنقول له "لا تهتمّ بهذا الظنّ ، ولا يجب عليك الإحتياط إلاّ إذا علمت بالنجاسة" ، وكذا الأمر في "كلّ شيء حلال حتى تعلم أنه حرام" ، ومثلهما كثير ، ومن الفوائد أيضاً الإرشادُ إلى أنّ الحكم الفعلي لا يتـنجّز إلاّ إذا حصل العِلْمُ بالموضوع ، مع أن الخبراء يعرفون ذلك من دون حاجةٍ إلى هذا الإرشاد .
وتارةً يؤخذُ القطعُ في موضوع الحكم بما له من خصوصيّة العلم التي قد يتّصف بها القاطع أي بما يملك من صفة علمية تكوينية وكيفية نفسانية في ذهنه ، ويسمّى ح بالقطع الموضوعي الصفتي(أي الوجداني) ، وذلك كما لو كان نظرُكَ إلى نفس المرآة وطولِها وعرْضِها ، ولا تلحظُ فيها نفسَك .