دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨١ - الأمارات والأصول
الموضوعيّة هو الصحيح وهو الشرعي ولكنه قاعدةٌ فقهيّة يجري فقط في الشبهات الموضوعيّة ويُجريه العوامُ ولا يُستـنبَط منه أحكامٌ شرعيّة . نعم يجب إدخالُ قاعدة الإستصحاب في علم الأصول ، وذلك لصحّة جريانه عند البعض في الشبهات الحكميّة ، فهو إذن محلّ كلام ونقاش في جريانه في الشبهات الحكميّة ، إذن هو كالقياس من هذه الناحية ، يجب إدخاله في علم الأصول لبحثه ، فإنه لا ينبغي إخراج أيّ بحث عن علم الأصول لمجرّد أنه غير صحيح عند الكاتب .
* وهل الإستصحاب في الشبهات الموضوعيّة وفي الشبهات الحكميّة ـ بناءً على صحّة جريانه في الشبهات الحكميّة ـ أمارةٌ أم أصل محرِز ؟ فنقول : لا شكّ أنّ الإستصحاب فيه جنبةُ كشف وبالتالي إذا كان أصلاً فهو لا محالة سيكون أصلاً محرِزاً ، وذلك لأنـنا ـ بالوِجدان ـ نعلم أنه في الكثير من الحالات تَبقَى الحالاتُ السابقةُ باقيةً على ما هي عليه ، لكن بما أنه يُستبعَدُ جداً أن يكون اللهُ تعالى قد شرّع لنا الإستصحابَ من هذا المنطلق ـ لأنّ الكاشفيّةَ المذكورة ليست كافيةً عقلائيّاً في تشريع الإستصحاب ، أي ليس الإستصحاب من هذه الناحية كخبر الثـقة واليد وسوق المسلمين التي أعطاها الله الحجيّةَ لإصابتها للواقع غالباً ـ لذلك يظهر أنّ جزءَ العلّةِ الأخرى لتشريع الإستصحاب هو ـ بحسب الظاهر ـ مَيلُ الإنسانِ بل الحيوان أيضاً ـ بغريزته ـ إلى البناء على بقاء الحالة السابقة ، لذلك كان الإستصحاب ـ عقلائيّاً ـ أصلاً عمليّاً [٤٧]بوضوح . وبتعبـير آخر : بما أنه يـبعد جدّاً أن يكون اللهُ سبحانه قد شَرّع الإستصحابَ لأجل أنه يصيـب الواقعَ غالباً ، فإنّ العقلاء يرَون بوجدانهم أنّ الإستصحابَ هو أصلٌ عمليّ شرّعه اللهُ في الموضوعات لأنّ الميلَ الإنساني يقتضي بقاءَ الحالة السابقة ، ووسّع في التعبّد بالإستصحاب حتى ولو ظنّ الشخصُ بتغيّر الحالة السابقة ، ولذلك لا تكون لوازمه العقليّةُ حجّةً شرعاً ولا عقلائيّاً ـ بخلاف الأمارات المعتبرة ـ وذلك لأنّ العقلاء لا يَرَون المولى تعالى أنه يريد إعطاءَ الحجيّة للوازم الإستصحاب أيضاً ، وإنما يفهمون تشريعَ الإستصحاب بلحاظ مدلوله المطابقي فقط ، حتى لو شككنا في إعطاء الحجيّة للَّوازم العقليّة للإستصحاب فالأصلُ العدم .
وبتعبـير آخر : بما أنه مِنَ الواضح أنّ الله جلّ وعلا قد شَرّع البراءةَ والحِلّ والطهارةَ للتسهيل على الناس ولصعوبة تكليفهم بالإحتياط في موارد الجهل ، وشرّع الإستصحابَ لسبـبين : التسهيل على
[٤٧] رغم عِلْمِ بعض الخبراء بعدم جريان الإستصحاب في الشبهات الحكميّة فإنهم جروا على استعمال لفظة (أصل عملي) في الإستصحاب ، رغم عِلْمِهم بأنه قاعدة فقهيّة لأنه لا يجري إلاّ في الشبهات الموضوعيّة وأنه يُجريه العامّي ، بمعنى أنه يطبّقه على موارده ، ونحن جرينا في هذا الكتاب على منهجهم ، فإنـنا وإن كنّا نقول بأنه قاعدة فقهيّة فإنه في علم الفقه هو أصل عمليّ ، فلا مشكلة إذن إذا وصفناه بأنه أصل عمليّ .