دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٣٦ - ٤ ـ الإستصحاب في الاُمور التدريجيّة
خروج الدم من الجرح والماء من النبع مثلاً ، بدليل أنه خروج واحد متّصل تماماً ، كما نستصحب في مورد الزمان .
ولكنـنا نقول : نعم ، يُحتمَلُ صحّةُ ما في الإشكال ، لكن ـ رغم ذلك ـ يـبقى عندنا شكٌّ في أصل جعْلِ الإستصحابِ في هكذا مورد ، فإنّ الناسَ يرَون أنّ خروج الدم في الدقيقة الثانية غيرُ خروج الدم في الدقيقة الاُولى ، ولذلك لا يكون الدم الثاني ـ عندهم ـ بقاءً لما سبق ، وإنما يكون حدوثاً جديداً ، والأصلُ عدمُ حدوث الخروج الجديد ، إضافةً إلى أنّ الدم السابق قد خرج ، فلم يَعُدْ هناك حالةٌ سابقةٌ باقية ، أي أنّ الحالة السابقة انتقضت بذاتها ، فيَصعب ح انطباقُ (النقضِ) على نقض الحالة السابقة ، لأنها منقوضة ذاتاً ، على أنّ الشكّ في جعل الإستصحاب في هكذا مواردَ موجودٌ بالوجدان ، ولذلك لا بُدَّ من القول بعدم ثبوت وجود استصحاب في هكذا موارد ، والأصلُ عدمُ الجعل .
فإن قلتَ : في مثال خروج الدم من الجرح لماذا لا نستصحب بقاءَ انفتاح الجرح ، فيترتّبُ على هذا الإستصحابِ بقاءُ خروجِ الدم .
قلتُ : هذا أصلٌ مُثْبِتٌ بوضوح ، وذلك لأنك تريد من خلال استصحاب بقاء انفتاح الجرح إثباتَ (بقاءِ خروج الدم من الجرح وأنّ فمه تلوّث وصار فيه رائحة) وهي آثارٌ تكوينية .
وإن سألتَ وقلتَ : ماذا تقول لو قال لنا المولى العارفُ (إنّ الجرح سوف ينزف ساعةً تماماً) ، ثم شككنا في انقضاء هذه الساعة ، فهل يجب أن نبني على عدم انـقضائها لنـُثْبِتَ بقاءَ خروج الدم ؟
لأجبناك : هذا الإستصحاب للساعة يجري بلا شكّ .
* مسألة : إستشكل بعض العلماء في الفجر ، هل أنه من الليل أم أنه من النهار ، فهل بناءً على هذا التردّد ـ مع أنه عندنا هو من النهار ـ هل يصحّ استصحابُ كونِه من الليل .
الجواب : هذه شبهة مفهوميّة ـ وليست شبهة موضوعيّة ـ أي هل أنّ الفجر عند الله تعالى هو من الليل أم من النهار ؟ فالشكُّ إذن منظورٌ إليه في مرحلة الجعل ، فالشبهةُ إذن حكميّةٌ ، فلا يجري الإستصحاب بلا شكّ . وبتعبـير آخر : نحن نشكّ في أنّ الفجر هو من الليل أو من النهار ، ولم يكن هناك حالة سابقة في مفهوم الليل يعتبر الفجر منه ، فما هو المجوِّزُ الشرعي إذن لاستصحاب بقاء الليل وبالتالي لتـنصيف الليل ـ مع الفجر ـ لمعرفة وقت صلاة الليل مثلاً ؟ بل ولك أن تـتساءل أيضاً : هل شرّع اللهُ تعالى الإستصحابَ في الشبهات المفهوميّة أيضاً أم لا ؟ لا ندري ، الأصلُ عدمُ تشريع الإستصحاب في الشبهات المفهوميّة ، على أنـنا إنْ أردنا أن نستصحب كونَ الفجر من الليل لنُـثْبِتَ أنه منه ، وبالتالي