دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٤٥٤ - ٣ ـ دعوى التمسّك بالإجماع
وليس لأحد أن يقول : إن هؤلاء ليسوا من أصحاب الجمل لأنهم إذا سئلوا عن التوحيد أو العدل أو صفات الله تعالى أو صحة النبوة ، قالوا كذا روينا ، ويروون في ذلك كله الأخبار ، وليس هذا طريقة أصحاب الجمل ، وذلك لأنه لا يمتـنع أن يكون هؤلاء أصحاب الجمل وقد حصلت لهم المعرفة بالله تعالى ، غير أنهم لما تعذر عليهم إيرادُ الحجج في ذلك أحالوا على ما كان سهلاً عليهم ، وليس يلزمهم أن يعلموا أن ذلك لا يصح أن يكون دليلاً إلا بعد أن يتقدم المعرفة بالله تعالى ، وإنما الواجب عليهم أن يكونوا عالمين ، وهم عالمون على الجملة كما قررناه ، فما يتـفرع عليه الخطأ فيه لا يوجب التكفير ولا التضليل .
وأما الفرق الذين أشاروا إليهم من الواقفة والفطحية وغير ذلك ، فعن ذلك جوابان :
أحدهما : إنّ ما يرويه هؤلاء يجوز العمل به إذا كانوا ثقات في النقل[٤٠٨] ـ وإن كانوا مخطئين في الإعتقاد من القول بالوقف ـ إذا عُلِمَ من اعتقادهم وتمسكهم بالدين وتحرجهم من الكذب ووضع الأحاديث ، وهذه كانت طريقةَ جماعةٍ عاصروا الأئمة (ع) نحو عبد الله بن بكير وسماعة بن مهران ونحو بني فضال من المتأخرين عنهم وبني سماعة ومن شاكلهم ، فإذا علمنا أن هؤلاء الذين أشرنا إليهم ـ وإن كانوا مخطئين في الإعتقاد من القول بالوقف وغير ذلك ـ كانوا ثقات في النقل ، فما يكون طريقُهُ هؤلاء جاز العمل به .
والجواب الثاني : إنّ جميع ما يرويه هؤلاء إذا اختصوا بروايته لا يعمل به ، وإنما يعمل به إذا انضاف إلى روايتهم رواية من هو على الطريقة المستقيمة والإعتقاد الصحيح ، فحينـئذ يجوز العمل به ، فأما إذا انفرد فلا يجوز ذلك فيه على حال[٤٠٩]، وعلى هذا سقط الإعتراض .
فأمّا ما رواه الغلاة ومن هو مطعون عليه في روايته ، ومتّهم في وضع الأحاديث ، فلا يجوز العمل بروايته إذا انفرد ، وإذا انضاف إلى روايته روايةُ بعض الثقات جاز ذلك ، ويكون ذلك لأجل رواية الثقة دون روايته .
وأما المجبِّرة والمشبِّهة فأقلّ ما في ذلك أنّا لا نعلم أنهم مجبِّرَة ولا مشبِّهَة ، وأكثر ما معنا أنهم كانوا يروون ما يتضمن الجبر والتشبـيه ، وليس روايتهم لها دليلاً على أنهم كانوا معتقدين لصحتها ، بل بـينّا
[٤٠٨] هنا يصرّح بحجيّة أخبار الواقفة والفطحية ومن شاكلهم من قبـيل عبد الله بن بكير وبني فضال وبني سماعة .
[٤٠٩] في كلامه نحوُ تـناقض ، لأنه هنا يقول بعدم حجيّة أخبار الواقفة والفطحية والغلاة ونحوِهم حتى وإن كانوا ثقاتٍ .