دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٧٩٨ - ٢ ـ جريان الإستصحاب في الكلّيّات
المستوى التصديقي ـ الإستعمالي والجدّي ـ (صلاةً ما) ، وكذا في قول الآمِر "أكرِمِ العالِمَ" يكون المراد التصديقي كلَّ مصاديق العلماء ، لذلك يعبِّرون عن هذا الكلّي ـ الذي يراد منه المصاديقُ الخارجية ـ بالكلي الطبـيعي وبالشايع الصناعي وبالعنوان ، وبهذا اللحاظ يقول المحقّقون بأنّ المراد من الكلّي الطبـيعي هو العنوانُ الذي يشير إلى مصاديقه الخارجية ، وكذا لو قلتَ "للهِ علَيَّ أن أبقى أُسَبِّحُ اللهَ طالما كان في المسجد إنسانٌ" فإنك تقصد على المستوى التصديقي ـ أي الإستعمالي والجِدي ـ أيَّ إنسانٍ خارجيٍّ كان ، سواءً كان زيداً أو عَمْرواً أو غيرهما ، إذَنْ قولُك "إنسان" هو مفهوم كلّي ذهني على المستوى الأوّل ، وهو ـ في مرحلة الدلالة التصديقية ـ عنوانٌ مشيرٌ إلى مصاديقه الخارجية لأنك تقصد إنساناً خارجياً ، فيه ذاتياتُ الإنسان ، لا ذهنياً ، وعلى هذا الأساس نـتكلّمُ عن الإستصحاب في الكليّات ، فلو نذر شخصٌ بأن يـَبقَى يُسَبِّحُ اللهَ طالما في المسجد إنسانٌ ، وعَلِمنا بوجود زيد ، ثم شككنا في خروجه ، فإنـنا نبني على بقاءِ (الإنسان) لكنْ بتوسُّطِ استصحاب بقاء زيد لأنه لا يمكن جريانُ الإستصحاب في العناوين باللحاظ الأوّل لأنها عبارةٌ عن المفاهيم الكليّة الذهنية ، وبالتالي الإستصحابُ يجري في (بقاء زيد) لا في (الإنسان) ، ولكن بما أنّ طبـيعةَ (الإنسان) ـ أي ماهيّتَه ـ موجودةٌ في زيد فإنـنا نبني على بقاء (الإنسان) . وأثرُ كلامِنا هذا هو أنـنا لو علمنا بوجود زَيد في المسجد ثم علمنا بخروجه ، ولكنْ شككنا في دخول شخص آخر قبل خروج زيد بحيثُ لم يَخْلُ المسجدُ من (إنسان) ، فهنا نحن لا نستصحبُ بقاءَ الإنسان في المسجد ، لأنه لا يمكن إجراءُ الإستصحاب بلحاظ المصاديق ، أو قُلْ : لأنه لا يمكن جريانُ الإستصحابِ في العناوين لأنّ نظر العناوين إنما هو إلى المصاديق الخارجية ، وعلى مستوى المصاديق الخارجيةِ الشخصُ الآخرُ مشكوكُ الدخولِ من الأصل .
مِن هنا تعلمُ أنّ المراد من (الإستصحاب في الكلّيّات) هو استصحاب بقاء الجامع الكلّي بين المصاديق الخارجية ، بشرط أن يكون لهذا الجامعِ أثرٌ شرعي ، فلو قلتَ : "للهِ عليّ أن أبقى أسبّحُ اللهَ طالما كان في المسجد إنسانٌ" ، فإنّ كلمة (إنسان) هنا هي كلّي طبـيعي وكلّي بالحمل الشايع الصناعي وعنوان ، وكذا لو قلتَ لولدك "آتـني بكتاب" فأنت لم تحدّد كتاباً خارجياً معيّناً ، إذن أنت تريد أيّ كتاب ، ومن هنا قال علماؤنا بأنّ قولك "كتاب" هنا هو كلّي طبـيعي بمعنى العنوان ، وذلك لصلاح انطباق كلمة "كتاب" على مصاديق كثيرة .
ولك أن تعبّر عن الكلّي بالجنس أحياناً ، كما هو معلوم ، لكن لا يفضَّل أن يعبّر بالجنس ، لأنّ الجنس هو الجامع الحقيقي بين ذاتيّات الأنواع ، كالحيوان ، فالحيوان هو جامع بين أنواع الحيوانات كالإنسان والأسد والنمر بلحاظ الذاتيّات ، ولذلك لا يفضَّلُ استعمالُ لفظة جنس لأنّ الجامع قد لا