دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٧٩٩ - ٢ ـ جريان الإستصحاب في الكلّيّات
يكون جامعاً بين الذاتيّات أحياناً ، كما في الحدث ـ الجامعِ بين الأصغر والأكبر ـ فإنه أمْرٌ اعتباري شرعي مفهومي موطنُه الذهنُ ، وليس جامعاً حقيقيّاً بـينهما ، لأنهما أمران بسيطان ، لذلك لا يوجد جامعٌ حقيقي بـينهما ...
كما أنك تعرفُ أنّ الكلامَ كان فيما مضى في استصحاب الاُمور الجزئيّة ـ كاستصحاب طهارة الثوب ـ ، وأنّ الكلامَ الآن هو في استصحاب الاُمور الكلّيّة ، وأنّ مرادَنا من الكلّي هنا هو الجامع بين المصاديق الخارجيّة ، أو قُلْ إنّ مرادنا من الكلّي هنا هو العنوان ، أي الكلّي الطبـيعي الذي له مصاديقُ في الخارج ، فالكلي هو الكلّي السِّعي الذي فيه سريان تخيلي ذهني يشمل مصاديقَه ، كالإنسان المنبسط على أفراد الناس ، وحيث لا قصور في شمول أدلّة الإستصحاب للكليّات ، يصحّ هذا البحث ، فأنت يصحّ لك أن تقول : "إذا كان زيد موجوداً في المسجد فالإنسانُ إذن موجود فيه ، والحيوان موجود فيه ، والجوهر موجود ، والعرَض الفلاني موجود" ، وكذلك إذا كان شخصٌ محْدِثاً بالأكبر مثلاً ، فهو إذن (محْدِث) بنحو الكلّي الطبـيعي ـ أي الشامل للحدث الأكبر والحدث الأصغر ـ فيصحّ أن يقول "أنا محْدِث" من دون تعيـين ، وإذا أحدث بالحدَث البَولي فقد أحدث بالحدث الأصغر ، وهو أيضاً حدَثٌ كلّي .
وبتـفصيلٍ أكـثر : إذا أحدثَ شخصٌ بالحدَث البَولي ثم شكّ بالوضوء بعد ذلك ، فإنْ كان ناظراً إلى خصوص الحدث البولي فعليه أن يستصحب بقاءَ الحدثِ البَولي ـ أي الحدث الجزئي ـ ، وله أن ينظر إلى الحدث الأصغر ـ كَكُلّيّ ـ فيـَبني على بقاءِ الحدث الأصغر ، الذي هو كلّيّ ، هذا البناءُ على بقاء الحدث الأصغر يُوهِمُ أنّ الإستصحاب يجري في الكلّيّات ، ولكنِ المستصحَبُ الحقيقي هو الحدث البولي .
وهكذا إذا شككتَ في بقاء زيد ، فإنْ نظرتَ إلى خصوص زيد فإنك تستصحب بقاء زيد في المسجد ، وهو استصحاب للجزئي ، وإن نظرتَ إلى وجود إنسان في المسجد فعليك أن تبني على بقاء وجودِ إنسان في المسجد ، هذا البناءُ على بقاء وجود (إنسان) يُوهِمُ أنّ الإستصحابَ يجري في الكلّيّات ، وإنْ نظرتَ إلى وجود (حيوان) ـ الأعمّ من الإنسان ـ في المسجد ، فإنك تبني على بقاء وجودِ (حيوان) في المسجد ، وهو أيضاً يُوهِمُ جريانَ الإستصحاب في الكلّي ، والمستصحَبُ الحقيقي هو الأضيق دائرةً وهو هنا بقاءُ زَيدٍ .
بتعبـيرٍ آخر : الآثارُ تـترتّب على المستصحَب الحقيقي فقط ، وهو عادةً الأضيقُ دائرةً ، فلو كان الموضوع الحقيقي للآثار هو الحدث الأصغر كان الأثر الشرعي هو المختصّ بالأصغر ، لا مطلقاً كحرمة دخول المساجد ، ولو كان المستصحَبُ الحقيقي هو بقاء البول ، كان الأثر هو لزوم البناء على بقاء نجاسة البول ، لا مطلق النجاسة ، الشاملة لنجاسة ولوغ الكلب مثلاً ، وعليه فلو شككنا في بقاء نجاسة