دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨١٧ - ٣ ـ الإستصحاب في الموضوعات المُرَكَّبَة
أمّا في الحالة الثالثة : فلو فرضنا أنّ الأب مات ، وكان ابنُه كافراً لكنه أسلم[٨٠٥] ، ولا نعلم بسبق موت الأب أو بسبق إسلام الإبن ، فإنّ الصحيح هنا هو عدم صحّة استصحاب حياته إلى أواخر زمان الإمكان ، ولا استصحاب كفْرِ ولدِه إلى أواخر زمان الإمكان أيضاً ، وذلك لعدم موضوعيّة حياة الأب بمجرّدها للإرث ، ولا موضوعية لمجرّد إسلام الإبن للإرث ـ أي من دون موت أبـيه ـ ، أي لا أثر شرعيّ لهذين الإستصحابين ، وإنما يجب أن نـنظر إلى ساعة موت الأب حيث كان الأب ميّتاً وكان الإبنُ مسلماً ، هنا يحصل موضوع الإرث ، فيجب ح أن يرث الولدُ أباه قطعاً ، ولو للزوم الرجوع إلى أصالة إرث الإبن من أبـيه ، إذ الأصل أنهما يتوارثان ، إلاّ أن نعلم بكفر الولد ، فما لم نعلم فإنـنا نرجع إلى أصالة التوارث بين الأقارب . وعليه فلو مات الأب وكان الإبن مسلماً ثم كفر ـ أي بعكس الحالة السابقة ـ ولم نعلم بالمتقدّم منهما والمتأخّر ، فإنـنا أيضاً لا نستصحب الحياة ولا الإسلام ، لأنه لا أثر شرعيّ لهذين الإستصحابين ، وإنما يجب أن نـنظر أيضاً إلى وقت موته القطعي ، وقد كان الولد حينها كافراً ، فما لم نعلم فإنـنا نرجع إلى أصالة التوارث بين الأقارب .
وكذا لو فرضنا أنـنا نعلم زمان موت الأب ، ولم نعلم زمان كفر الإبن ، أو زمان إسلامه ، فإنّ لنا أن نستصحب الحالة السابقة ـ أي إسلامه أو كُفرَه ـ لأن موضوع الحكم بالتوارث هو (اجتماعُ موت الأب مع إسلام الإبن) ، ولذلك يجب استصحاب إسلام الإبن ـ لو كان مسلماً سابقاً ـ إلى حين موت الأب لنحكم بالتوارث ، كما ويجب أن نستصحب كفْرَ الإبنِ عند موت أبـيه ـ لو كان الإبنُ كافراً سابقاً ـ لنحكم بعدم توارثه من أبـيه ، لأنّ الإجتماع سيحصل تلقائياً ، لأنـنا حينما استصحبنا إسلام الإبن ـ مثلاً ـ فإنما نستصحبُه بلحاظ موت الأب ، لأنّ الغاية هي تحصيل الإجتماع ، فلن نقع في الأصل المثبِت ، لأننا لا نريد إثباتَ عنوانٍ وجوديٍّ من الإستصحاب ، وإنما سيحصل الإجتماع بالوجدان .
وأمّا في حالة ما لو كان موضوع الحكم ـ كالمرأة ـ مقيَّداً بعدم العرَض ـ كعدم القُرَشيّة ـ كما لو كان كونُها مستحاضةً موقوفاً على عدم كونها قرشية فلا يجري استصحابُ عدمِ كونها قُرَشية ، وذلك لأنّ عدم
[٨٠٥] نحن في علم الأصول نذكر هذا المثال لتقريب الفكرة ، لا للإفتاء ، لأنّ الرواية وفتوى علمائـنا فيهما تفصيل ، فمثلاً : لو أسلم الكافر قبل القسمة شارك الورثةَ إن كان متساوياً معهم في الإستحقاق ، وأَخَذَ الجميعَ إن كان أولى منهم ، سواءً كان الميت مسلماً أو كافراً ، ولو كان الوارثُ واحداً وأسلم الكافر لم يرث ، لأنه واحدٌ وقد صارت التركةُ له بمجرّد موت مورّثه ، على تفصيل في هذه المسألة .