دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٣٠ - (المرحلة الرابعة من سنة ١٠٣١ هــ وإلى زمان الشهيد الصدر)
إلى أن ظهر ابنُ إدريس الحلِّي المتوفَّى ٥٩٨ كفقيه متحرّر ، ذي رأي نافذ ، وعلميّة فائقة ، ومقدرة عالية في الإستدلال ، وفي ردِّ الفروعِ إلى الأصول ، غير محاذِرٍ نقْدَ ناقِد ، ولا متابعٍ رأيَ عالِم ، بل كان يتّبع ما يوصله إليه الدليل ، فصار يناقش آراء شيخ الطائفة الشيخ الطوسي رحمه الله ، وربّما يصل في بعض الأحيان إلى حِدّة غير معهودة للدفاع عن آرائه ، ودفعاً لما لا يراه من آراء الشيخ الطوسي ، فأوصل الفقهَ الإسلامي إلى حالة رائعة من الإنفتاح والتـقدّم في الفقه الإمامي ، وهو يُعَدُّ بحقّ صاحبَ قفزة نوعيّة في تطوّر الفقه الإمامي ، وإن كان ربّما يقال إنّه أفرط في الردّ على الشيخ الطوسي .
هذه الحالة التي خلقها ابن إدريس الحلّي ساهمت في بزوغ فقهاء جريئين على النقاش من طراز ابن إدريس ، أكثر شمولية من الشيخ الطوسي وأدق نظراً من السابقين ، من قبـيل ابن نما الحلّي المتوفّى سنة ٦٤٥ من مشايخ المحقّق الحلّي ، والسيد علي بن طاووس المتوفّى ٦٦٤ ، والسيد أحمد بن طاووس المتوفّى سنة ٦٧٣ ، والمحقّق الحلّي ( ٦٠٢ ـ ٦٧٦ هـ) والعلاّمة الحلّي والشهيدين .. وانـتهت هذه المرحلة بـبروز ظاهرة الأخباريّة في الطائفة الشيعية والردود عليها سنة ١٠٣١ هـ ق .
(المرحلة الرابعة من سنة ١٠٣١ هــ وإلى زمان الشهيد الصدر)
إستمرّت مدرسة المرحلة الثالثة إلى أن ظهر زلزالُ المدرسة الأخبارية سنة ١٠٣١ هـ ق ، وقيل إنها ظهرت سنة ٩٨٥ هـ ، وإنما ثبت عندي أنّ المدرسة الأخباريّة تجوهرت بظهور كتاب (الفوائد المدنية) لصاحبه المحدّث الشيخ أمين الإسترآبادي (توفي ١٠٣٣ هـ) كما يظهر ذلك بوضوح في كتابه قال "وقد وقع من جميع الفرق غير الأخباريّين من أصحابنا إفراطٌ وتفريط في مسألة أهل الفترة" (إنـتهى) وهذا يعني أنّ المدرسة الإخباريّة كانت قبل الشيخ الإسترآبادي ، لكنه رتّبها ونظّم أدلّتها ، ولذلك نقول بظهور مدرسة الأخباريين في زمانه بهذا اللحاظ . قال صاحب الفوائد المدنية في آخر كتابه هذا إنه "وَقَعَ الفراغُ مِن تحريرِ الفوائد المدنية وحقائق قواعد الأُصول الدينـيّة في شهر ربـيع الأوّل سنة إحدى وثلاثين بعد الألف من الهجرة النبويّة (ص) في مكّة المعظّمة زادها الله شرفاً وتعظيماً" (إنـتهى) ، وبظهوره بدأ الأخْذُ والردّ بين المدرستين الاُصولية والأخبارية ، وكَثُرَ الحديث يومها بلزوم كتابة أحاديث المعصومين (علیهم السلام) ، فنهض العلماء في أوائل هذه المرحلة الرابعةِ بكتابة المجاميع الروائية الكبـيرة (بحار الأنوار ، وسائل الشيعة ، الوافي ، البرهان في تـفسير القرآن) .. وبدأ بذلك العصرُ الذهبي من عصور علم الاُصول والفقه والحديث .. وكان ظهور مدرسةِ الوحيد محمد باقر البهبهاني الذي