دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٤٠ - البراءة في الكتاب الكريم
بلّغنا إياها خلفاءُ الله وألسنـتُه في أكثرَ مِن ٣٢٩ سنة ، ولم يقولوا لنا مثلاً : جلسةُ الإستراحة واجبة أو السورة بعد الفاتحة أو القنوت أو الإقامة أو أو .. إذَنْ لنا أنْ نُجْرِيَ البراءةَ وندّعيَ بأنّ هذه المذكورات ليست واجبة ظاهراً ، إذ لو كانت واجبة لَذَكَرَ لنا أئمّتـنا (علیهم السلام) ذلك بعشرات الروايات ، ولا يُحتمَلُ هَلاكُ وتلفُ كلّ هذه الروايات ، فالإنسانُ العادي لو أراد أن يوصل هذه الأحكامَ إلى الأجيال البعيدة عنه زماناً ومكاناً فإنه يخبر عشراتِ الثقات بذلك ويأمرُهم بكتابة هذه الكلمات كي تصل إلى الأجيال البعيدة كما فَعَلَ الكليني وعلي بن بابويه وغيرُهما .
أمّا استعمال كلمة [فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ] فهي لازمةٌ عقلاً وضروريةٌ عند استعمال أصالة الحِليّة ، لأنّ غير العالِم وغيرَ الخبـير وغيرَ الباحثِ لا يحقّ له أن يقول أنا لا أجد الحكمَ الفلاني فأنا إذن غيرُ ملزَمٍ بالتكليف ! فإنّ للخصم أن يجيـبَه بأنك مَن أنت حتى تقول لا أجدُ ، هل أنت خبـير بالروايات حتى تقول لا أجد ؟! ولذلك كان مِنَ اللازم عقلاً لرسول الله الأعظم (ص) أن يَستخدم هذه الكلمةَ .
وإن قلتَ : لا يمكن الجزم بالكلام السابق ، إذ ليس عدمُ وجدانـنا كعدم وجدان النبيّ (ص) ، فعدمُ وجدانِ النبيّ مساوِقٌ لعدم الوجود قطعاً ، وأمّا عدم وجدانـنا نحن فغَيرُ مساوِقٍ لعدم الوجود ، إذ لعلّ بعضَ الكتب المتعلّقة بالقنوت وجلسة الإستراحة وبسائر المذكورات كان فيها بعضُ الروايات الصحيحة وضاعت ، فليس لنا أن نجري البراءةَ المستـنبَطة من هذه الآية .
قلتُ : بعَثَ اللهُ مئاتِ آلاف الأنبـياء والأوصياء ليـبلّغوا دِينَ الله ، لا ليتركوه في مهبّ الريح ، هذا يضيّع ، وذاك ينسى ، وأبو بكر يحرق خمسمئة حديث ، وعمر يحرق الباقي ، وضاعت الرسالة ، وضاع جهدُ الأنبـياء والأوصياء !!! قصّر آباؤنا في حِفْظِ الأحاديث ، ونحن نخسر معرفةَ دين الله ... هذا لا يمكن أصلاً ، وهذا تبسيط لحكمة الله ولدين الله ، ولوظيفة الأنبـياء والأوصياء (ع) ، وللغرض الذي بُعِثَ مِنْ أجْلِهِ الأنبـياءُ والأوصياءُ .. فكما أنّ الله حافظ لكتابه الكريم من التحريف والتصحيف ، فكذلك شريعته الغرّاء محفوظة ، يحفظها ويُـبَـيِّنُها الأئمّةُ المعصومون مِن بَعد رسول الله (ص) حتى لا نبكي على حكم إلهي ضاع مِن بـينـنا ، وحتى لا يـبقى حكمٌ مهم إلاّ وقد وصلنا ..
وهل تصدّق قائلاً يقول : إجتمع آلاف الأبطال على أن يحملوا كلغ واحد فلم يستطيعوا ؟! أتصدّق هذا ؟! فكيف تصدّقُ قائلاً يقول لك : إجتمع كلّ أئمّتـنا وكلّ الرواة لمئات السنين على أن يوصلوا إلينا روايةً صحيحةً واحدة في وجوب القنوت أو في وجوب جلسة الإستراحة فلم يستطيعوا !! أو تَلِفَتْ صدفةً !! وهم (ع) الآن في برزخهم يتحرّقون حزناً على ضياع بعض الروايات المهمّة !! أتصدّق هذا ؟! لهذا نحن نجري البراءةَ من خلال هذه الآية الكريمة .