دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٣٤٠ - إقتضاءُ الحُرْمَةِ لبطلانِ العِبادَة
قلتُ : صحيح ، لا شكّ أنّ الأوامر متعلّقة بالطبائع ، لكن حينما يَنهَى المولى عن عبادةٍ معيّنة فإنها تخرج بالتخصيص عن إطلاق الأمر بطبـيعة الصلاة .
المهمّ هو أنّ العقل يستكشف بوضوح ـ من خلال قبح العبادة المنهيّ عنها ـ أنها باطلة لا محالة ، إذ أنّ القبـيح يكون مبعّداً لا مقرّباً للمعبود .
من خلال ما ذكرنا تعرفُ أنّ العبادة المنهيّ عنها بما أنها مبغوضة عند الله تعالى فلا يمكن أن تكون صحيحة حتى في حال الجهل بالحكم أو النسيان ، كما في أكل الـمَيتة وشرب الخمر تماماً ، فلا يمكن أن تكون مقرّبةً للمولى تعالى ، من دون دخالة للعلم أو الجهل أو النسيان أو التعمّد في ذلك . صحيح أنّ الناسي والجاهل يمكن له قصدُ التـقرّب إلى الله تعالى ، لكن ليست المشكلة في ذلك فقط ، إنما المشكلة في كون ذات المبغوضِ عبادةً ، حتى ولو كانت عبادةً غيريةً كالطهارات الثلاثة في حال الضرر الخطير .
ثم إنه قد يتعلّق النهيُ عن وجود جزء معيّن في العبادة ـ كقراءة إحدى سور السجدة على المشهور وكفِعْلِ ركنٍ زائد وكالتكلّم العَمْدي ـ أو عن إيجاد جزء مبتدَع ـ كقول آمين ـ أو عن إيجاد كيفيّة مبتدَعة ـ كالتكـتـّف ـ فلا شكّ في بطلان الجزء المنهيّ عنه ، لما ذكرناه من عدم إمكان أن يكون عبادةً ، لأنّ العبادةَ لا ينبغي أن يكون منهيّاً عنها ـ أي مبغوضة ـ ، وعليه فإن اقتصر على قراءة سورة السجدة ـ رغم النهي عنها كما في الرواية ـ فإنّ صلاته سوف تكون باطلةً لا محالة .
وأمّا مثل التكتّف في الصلاة ـ المعبّر عنه بالتكفير ـ فقد يقال بأنّ النهي عنه في الروايات لم يتّضح منه إبطالُه للصلاة ، فأقصى ما يمكن أن يقال بأنه بذاته حرام ، وأمّا إبطالُه للصلاة فلا دليل عليه ، فيُرجَعُ إلى أصالة البراءة من التـقيّد بعدمه .
*وورد عن بعض العبادات أنها مكروهة ، ومن المعلوم والواضح عند الكلّ أنّ النهي الكراهتي فيها إنما هو إرشادٌ إلى أمْرٍ ما ، وإلاّ فلن تكون عبادة . مثلاً : ورد في مكروهات الوضوء كراهةُ الإستعانة بالغَير في المقدمات القريـبة ـ كأنْ يَصُبَّ شخصٌ الماءَ في يد المتوضّئ ـ وكراهةُ الوضوء من الآنية المفضضة أو المذهبة أو المنقوشة بالتماثيل والتوضّي من الماء الآجِن الطاهر ـ أي المتغيّر لونُه وطعمه بغير النجاسات ، كالذي يَلِـغُ فيه الحيواناتُ ـ وذلك للرواية وللتـنزّه عن الماء الحاوي على الحشرات والجراثيم ، ولنفس السبب يُكره استعمال ماء البئر قبل نزح المقدَّرات ، وذلك للروايات وتوقّياً عن الجراثيم ، ويُكره التوضّي بالماءِ القليل الذي ماتـت فيه الحية أو العقرب أو الوزغ والفأر والفرس والبغل والحمار وآكل الميتة ، بل كل حيوان لا يؤكل لحمه ، ويكره التوضّي بماء مظنون النجاسة ، كما لو