دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٣٣٩ - إقتضاءُ الحُرْمَةِ لبطلانِ العِبادَة
وذلك لأنّ قوام العبادة بمحبوبـيتها عند المعبود ، ويجب عقلاً أن تكون العبادة كما يريد المعبود ، لا كما يريد العابد ، فكيف إذا نَهَى المولى تعالى عن عبادة معيّنة كصلاة الحائض وصيام العيدين وأيام التشريق[٢٨٧] لمن كان في مِنَى ، وكذا العباداتُ المبتدَعة كصلاة التراويح وكمَن يُصَلّي في المسجد رِئاءَ الناسِ أو صلّى في أوّل الوقت رياءً أو توضّأ الإنسانُ رياءَ الناس فهذا الوضوء يجب أن يكون باطلاً لأنه منهيّ عنه ، وقد استـفاضت الروايات في ذلك ، قال الله تعالى[ .. فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ المَاعُونَ (٧)] [٢٨٨] ، فمِنَ الواضحِ عقلاً منافاةُ العبادة مع الرياء ، لا بل الرياءُ ـ بصريح الآية الكريمة ـ منهيٌّ عنه ، المهمّ أن تكون العبادةُ خالصةً لوجهه الكريم ، وتكون العلّة التامّة والوحيدة لعبادة المولى تعالى هو أمْرُ الله وإرادةُ عبادته فقط لا غير .
المهم هو أنّ النهي عن العبادة يستلزم عقلاً فسادَها وبطلانَها ، إذ أنّ قوام العبادة أن تكون محبوبةً ومطلوبةً من قِبَلِ المعبود . ولا شكّ أنه لمجموع ذلك أجمع علماؤنا على بطلان العبادة التي يأتي بها الإنسان رياءً [٢٨٩] . أمّا البكاء رياءً والخشوع رياءً وغيرُهما فهي أمور خارجةٌ عن ماهيّة الصلاة ، فلا تضرّ بصحّة الصلاة .
وكذلك الأمر فيما لو كان الرياءُ في الأجزاء المستحبّة ، فإنّ الرياء فيها وإن كان يـبطلها ولكن هذا الرياء في الأجزاء المستحبّة لا يضرّ في صحة الصلاة ولا يفسدها ، وذلك كما لو قَنـت رياءً أو سبّح في الركوع أو السجود كـثيراً ، رياءً ، وذلك لأنّ الأجزاء المستحبّة في الصلاة خارجةٌ عن الماهيّة الواجبة ، بدليل عدم انـتـفاء الماهيّة بانـتـفائها ، فتكون الصلاة ظرفاً فقط لهذه الأجزاء المستحبّة . ولا دليل على بطلان الصلاة في هكذا فرض بعد أن كانت كلّ أجزائها الواجبة وشرائطها صحيحة .
فإن قلتَ : إنكم قلتم بتعلّق الأوامر بالطبائع ، أي بطبـيعة الصلاة ، فافرُضْ أنّ المرأةَ الحائض قد صلّت ، وحقّقت هذه الطبـيعةَ بهذا المصداق ، فما المانع من القول ح بصحّة صلاتها ؟!
[٢٨٧]أي الثلاثة أيام بعد عيد الأضحى ، وسُمّيت بالتشريق لأنهم كانوا يشرّقون لحمَ الأضاحي التي ذبحوها يوم العيد في مِنَى ، فقد كانوا يشرّقونها في الشمس لتجفّ ولا تخرب .
[٢٨٨] سورة الماعون .
[٢٨٩] راجع الروايات في ذلك في ئل ١ ب ١١ و ١٢ من أبواب مقدّمة العبادات ص ٤٧ إلى ٥٤ ، وذَكَرَ مِثْلَها في بابي ٥ و ٨ أيضاً .