دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٣ - تصنيف الأحكام الشرعية
· وجدان أماراتِ حجّةٌ) ، فإنّ قاعدتَي البراءة والحلّ لا تجريان إلاّ في الشبهات الحكميّة ، وهما أصول عمليّة ، وكذلك الإستصحاب ، لكن على القول بأنه يجري في الشبهات الحكميّة . والفرق بين النحو الأوّل والنحو الثاني هو أنّ موضوع النحو الأوّل هو أمارة ، وأمّا موضوع الأصول العمليّة فليس أمارةً ، وإنما هو إسمٌ مفرَدٌ يدِلّ على معناه .
وأمّا القاعدةُ الفقهيّة ففي الكثير من الأحيان يستطيع العامّي أن يُجريها بنفسه ، ويطبّقَها تطبـيقاً على مواردها المناسبة ، ولكنّ القاعدة الفقهيّة لا يُستـنبَطُ منها أحكامٌ شرعيّة ،
· هذه القواعد الفقهيّة هي أيضاً نحوان : النحو الأوّل مثل (خبر الثـقة في الموضوعات حجّة) (اليد حجّة في إثبات الملكيّة) و (سوق المسلمين حجّة في التذكية والطهارة) ، وقد جَعَلَها اللهُ تعالى لكاشفيّة موضوعات هذه القواعد كاليد وسوق المسلمين وعمل الغَير ، عن التملّك والتذكية والطهارة والصحّة ولأنها تصيـب الواقعَ غالباً ، لذلك أعطى اللهُ تعالى موضوعاتها الحجيّةَ ـ أي أعطى هذه الأماراتِ الحجيّةَ ـ ، والنحو الثاني مثل (الإستصحاب في الشبهات الموضوعيّة حجّةٌ) و (قاعدة الطهارة في الشبهات الموضوعيّة حجّة) ، هذا النحو الثاني هو في الواقع أصول عمليّة لكنّها من عالم الفقه ، وليست من علم الأصول .
* و قد سَمَّى السيدُ الشهيد الصدرالحججَ والأصولَ العمليّة بـ (الأحكام الظاهريّة) لأنّ مورد الاُولَى هو الجهلُ بالحكم الواقعي ، ولأنّ مورد الأصول هو عدم وجدان دليل محرِز ـ أي أمارة ـ على الحكم الشرعي ، ولذلك فهو ـ بسبب أنها تـفيدنا أحكاماً ظاهريّةً ـ سمّاها بالأحكام الظاهريّة .
أقول : السببُ المذكورُ لا يُخَوِّلُها أن يُطْلَقَ عليها اسمُ (الأحكام الظاهريّة) ، وذلك لأنّ الحجج والأصول العمليّة هي أحكام واقعيّة بامتياز ، نَعَم ، اُخِذ في موضوعها الجهلُ ، فحجيةُ الأمارة أُخِذ في موضوعها الجهلُ بالحكم الواقعي ، وحجيةُ الأصول العملية أُخِذ في موضوعها الجهلُ بوجود أمارة حجّة ، والذي يجب أن نُطلِقَ عليه صفةَ الأحكام الشرعيّة الظاهريّة هو مؤدّيات الأمارات والوظائف العمليّة ، بمعنى أنّ المولى تعالى اعتبر السورةَ بعد الفاتحة ـ مثلاً ـ واجبة ، لأنها وصلتـنا من جهةِ أمارةٍ حجّة شرعاً ، حتى ولو لم تُوْرِثْ عندنا العلمَ القطعي ، ولذلك يجب علينا ـ بمقتضى هذه الأمارة الحجّة ـ أن نعتبر السورةَ بعد الفاتحة واجبةً شرعاً ، ولكن المجتهد لا يستطيع أن يقول أكثر من (واجبة ظاهراً) لا واقعاً ، وكذلك فيما لو اعتبرنا ماءً خارجيّاً طاهراً بناءً على الإستصحاب أو على قاعدة الطهارة ، فإنّ المتشرّعة لا يستطيعون أن يقولوا عنه أكثرَ من قولهم (هو طاهرٌ ظاهراً) ،