دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٣٥ - ٤ ـ الإستصحاب في الاُمور التدريجيّة
الآن الثاني هو بقاءٌ لوجودها في الآن السابق ، فهي غير متصرّمة ، وإنما هي ـ لولا أخْذُ اللهِ تعالى لها ـ باقيةٌ ما بقي الدهر ، وكذا طهارةُ الثوب ـ مثلاً ـ هي قارّةٌ عرفاً ، وإلاّ فهي ـ بالدقّة الفلسفيّة ـ متصرّمة لأنّ نفسَ موضوعها ومحلّها متصرّمُ الوجود ، خاصةً على مسلك صدر المتألّهين من الحركة الجوهريّة والتصرّم الدائم في الماديّات ، مادّةً وصورة .
فإن قلتَ : لماذا لا نستصحب المشْيَ عرفاً كقطعة واحدة ، مع غضّ النظر عن الحدوث والإنصرام لكلّ حركة حركة ؟! أي صحيحٌ أنها متـفرّقة في الخارج ، لكنْ أجزاؤها ـ في الخيال ـ مجتمعةٌ ، فنستصحب هذا الكلَّ الموجودَ في الذهن ، وذلك كما نستصحب القطعة الزمانيّة الفلانيّة ـ كالليل مثلاً ـ مع غضّ النظر عن الدقائق والثواني ؟!
قلتُ : نحن إنما نريد أن نستصحب الواقعَ الخارجي ، وليس المفهومَ الذهني الكلّي ، أو قُلْ : ليس مراد أحدٍ أن يستصحب بقاءَ المشي كمفهوم ذهني وكعنوان موجود في الذهن ، إنما مراد الكلّ أن يستصحبوا بقاء المشي الخارجي ، والمشْيُ والأكْلُ والتكلّمُ ونحوُها لا يمكن استصحابُها لأنها أمورٌ لا وَحدةَ عرفيّةَ لها ـ إلاّ في الذهن ـ لأنّ الخطوة الثانية غيرُ الخطوة السابقة ، وأكل اللقمة السابقة غيرُ أكْلِ اللقمة اللاحقة ، وإطلاقُ الكلمة الثانية غيرُ إطلاق الكلمة السابقة .
*سؤال : لو كانت الحركةُ المرادُ استصحابُها لا يتخلّلُها العدمُ ـ كما في حركة اليد من جهةٍ إلى جهة ـ يعني أنها كانت متّصلةً كالزمان ، هل يجري استصحابُ بقائِها ؟
فقد تقول : نعم ، وعلى هذا يجب حمْلُ كلام السيد الحكيم حينما قال بصحّة جريان الإستصحاب في الأمور التدريجيّـة[٨١٧] ، قال : ".. وقد حُقِّقَ في محله جريانُ الإستصحاب في الأمور التدريجيـة ، وأنّ الوجود المتصل بلا تخلُّلِ العدم وجودٌ واحدٌ حقيقةً وعرفاً ، والتغايرُ بين الوجودين في الزمانين من قبـيل التغاير بين مراتب الوجود الواحد" (إنـتهى) . وكذلك قال بجريان الإستصحاب في الأمور التدريجيّة الآقا ضياءُ الدين العراقي . في هكذا حالة نقول : هنا لا يصدق الحدوثُ والتصرّم ولا يتخلّل العدمُ بين الأجزاء ، أي بين كلّ حركة وحركة ، ولو لحظة واحدة ، وهنا يختلف الحالُ بين هكذا حركة واحدة متّصلة حقيقةً وبين خطوات المشي والأكل والكلام التي لا يجري فيها الإستصحابُ . وممّا ذكرناه في الحركة الواحدة المتّصلة التي هي بمثابة الزمان التي يجري فيها الإستصحابُ ، يجب استصحابُ بقاء
[٨١٧] مستمسك العروة الوثقى ج ٣ ص ٢٢٧ ، وتقريرات السيد محمد رضا الطباطبائي التبريزي للآقا ضياء الدين العراقي المسمّى (تـنقيح الأصول) ص ٣٠٩ .