دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٥١٦ - الكلامُ في حجيّة إخبار الثـقة في الموضوعات
، فما أدَّى إليك عنّي فعَنّي يؤدّي ... فإنه الثقة المأمون أو ثقتان ، فما ... فإنهما الثقتان المأمونان فمَن كان ثقة نقول إذن ما أدّاه إلينا عنهم (ع) فَعَنْهُم يُؤَدّي .. تمسّكاً بالتعليل والتـفريع الواضحين .
٢ ـ وروى في الكافي أيضاً عن عدة من أصحابنا (فيهم الثقات كـ عليّ بن ابراهيم) عن أحمد بن محمد (مردّد بين ابن خالد وابن عيسى وكلاهما ثقتان) عن الحسن بن علي بن يقطين (ثقة فقيه) عن أخيه الحسين (ثقة) عن علي بن يقطين (ثقة جليل القدر) قال : سألت أبا الحسن (ع) عمَّنْ يَلِي صدقةَ العُشْر ، على مَن لا بأس به ؟ فقال : إن كان ثقة فمُرْهُ أن يضعها في مواضعها ، وإن لم يكن ثقة فخذها أنت وضَعْها في مواضعها [٥٠٧] صحيحة السند ، وذلك بتقريب الملازمة بين الوثاقة والأمانة ، أو لوحدة معنيـيهما في هكذا مورد .
فإن قلتَ : يحصل عادةً وثوقٌ واطمئـنان بأنّ هذا الصادق لن يسرق مال الزكاة ، وإنما سيضعها في مواضعها ، على أنّ إعطاء الزكاة لثقة ليضعها في موضعها الشرعي أمْرٌ مقبولٌ عقلائياً ، ولكنْ هذا لا يلازم أن يكون خبر الثقة حجّةً في الموضوعات ، فَكَمْ مِن أمينٍ في المال وكاذبٍ في الأخبار !
قلتُ : ما ذُكِرَ من عدم الملازمة غيرُ صحيح قطعاً ، يقول الله تعالى [وتأكُلُونَ التراثَ أكْلاً لَمّاً (١٩) ، وتُحِبُّونَ المالَ حُبّاً جَمَّاً] [٥٠٨]فالإنسانُ يَهمُّه المالُ كثيراً ، فإنه ينفع به نفسه ، ولكنْ لا تهمّه الأخبار العامّة بذاك المقدار ، لأنّ الصدق فيها والكذب لا يضرُّه عادةً ولا ينفعه بمقدار المال ـ طبعاً على المستوى الدنيوي ـ ولذلك فالمقتضي للصدق في الأخبار ـ خوفاً من نار الله المُوْقَدَة ـ يخلق عند المسلم رادعاً عن الكذب فيما لا يضرّه ولا ينفعه ، أمّا في مجال الأموال فقد يَغلِبُ حبُّ المالِ خوفَه من الله ، فيقتل إماماً معصوماً كما قتل العبّاسيون أئمّتَهم ـ فإنه يُرْوَى أنّ أوائلَهم كانوا جيّدين قبل التسلّط على البلاد والعباد ـ ، ومِن أجْلِ المال وقف بعضُ وكلاء الأئمّة عند إمامهم ولم يؤمنوا بالإمام الذي بعده . قال الشيخ الطوسي في الكلام على الواقفة ـ في كتابه الغَيـبة ـ فرَوَى الثقاتُ أنّ أوّل مَن أظهر هذا الإعتقاد : علي بن أبي حمزة البطائني وزياد بن مروان القندي وعثمان بن عيسى الرواسي ، طَمِعُوا في الدنيا ومالوا في حطامها واستمالوا قوماً فبذلوا لهم شيئاً ممّا اختانوه من الأموال . وقال : مات أبو إبراهيم t"وليس مِن قُوّامه[٥٠٩]أحدٌ إلاّ وعنده المال الكثير ، وكان ذلك سببَ وقفِهم وجحْدِهم موتَه ، طمعاً في الأموال ، كان عند زياد بن مروان القندي سبعون ألف دينار ، وعند علي بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار ..." .
[٥٠٧] ئل ٦ ب ٣٥ من أبواب المستحقّين للزكاة ح ١ ص ١٩٣ .
[٥٠٨] سورة الفجر .
[٥٠٩] جمع قائم وقَـيِّم ، مثل ضابط ضُـبّاط .