دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ١٤ - المـقـدّمـة
محضاً فموطنُه ح العقلُ فقط ، وليس الخارج ، ففي هكذا حالةٍ سمّوا هذا الكلّيَّ بـ (الكلّيِّ العقلي) ، ففي قولنا مثلاً (الحيوانُ كلّي ، وأنواعُه الإنسانُ والأسد والفرس وو ..) يكون قولُنا (كلّي) هنا (كلّياً عقلياً) محضاً لأنه كلّي ولا يمكن وجودُه في الخارج ، وذلك لعدم وجود الأنواع في الخارج ، لأنّ الموجود في الخارج هو المصاديق وليس الأنواع ، فهو إذن من المعقولات المحضة ، أمّا لو قلنا (الإنسان كلّي ، ومصاديقُه زيدٌ وعمرو وبكرٌ وو ..) فقولُنا (كلّي) هنا هو (كلّي طبـيعي) وذلك لوجود مصاديقه في الخارج ... هكذا قالوا .
لكني أقول : ما أفادوه فيه نظرٌ ، فصحيحٌ أنه إذا كان المستعمِلُ للكلّي ناظراً إلى الخارج فإنه يعبَّرُ عنه بالكلّي الطبـيعي وبالعنوان المشير إلى مصاديقه الخارجية ، ولكن يجب التدقيق في الكلّي الطبـيعي هذا هل أنه يمكن استصحابُه أو لا ، هنا محلّ كلامنا ، وليس محلُّ كلامنا هو علم المنطق ، فأنت حين تقولُ لوَلَدك ـ مثلاً ـ "جِئـْني بكتابٍ" فإنك تلاحظُ أنك استعملتَ كلمةً موضوعةً لمعنى عام ـ وهو الكلّي الطبـيعي ـ بخلاف ما لو قلتَ لخادمك "جِئـْني بكتابي أو بولدي زَيد" ، فكلمةُ "كتابي" أو "زَيد" موضوعةٌ لمعنى خاصّ ، أمّا كلمةُ "كتاب" فموضوعةٌ لمعنى عام ـ أي على مستوى الوضع ـ وبالتالي يُفهم المعنى العام للكتاب على مستوى الدلالة التصوّرية ، هذا المعنى العام هو ـ في الحقيقة ـ مفهوم كلّي ذهني لا يوجد في الخارج حتى وإنْ سمّيتَه (كلّي طبـيعي) ، وأنت عند استعمالك لكلمة "كـتاب" لا تريد هذا المعنى الذهنيَّ العام ، وإنما تريد بعضَ مصاديق هذا المعنى الذهني العام ، فيكون المعنى العام عنواناً مشيراً إلى مصاديقه الخارجية ، أي يكون مرادُك الإستعمالي والجِدي أحدَ المصاديق الخارجية ، لذلك يكون المعنى المستعمَلُ فيه اللفظُ ناظراً إلى الخارج ، أي أنّ المراد التصديقي يكونُ أحدَ المصاديق الخارجية ، وكذا في قول الآمِر "أكرِمِ العالِمَ" يكون المعنى الموضوعُ له كليّاً ، والمدلول التصوّري كلّيّاً ، لكن المعنى المراد على المستوى التصديقي ـ الإستعمالي والجدّي ـ يكون كلَّ مصاديق العلماء ، لذلك يعبِّرون عن هذا الكلّي ـ الذي يراد منه المصاديقُ الخارجية ـ بالكلي الطبـيعي وبالشايع الصناعي وبالعنوان ، وبهذا اللحاظ يقول المحقّقون بأنّ المراد من الكلّي الطبـيعي هو العنوان الذي يشير إلى مصاديقه الخارجية ، وكذا لو قلتَ "للهِ علَيَّ أن أبقى أُسَبِّحُ اللهَ طالما كان في المسجد إنسانٌ" فإنك تقصد على المستوى التصديقي ـ أي الإستعمالي والجدي ـ أيَّ إنسانٍ كان ، سواء كان زيداً أو عَمْرواً أو غيرهما ، إذَنْ قولُك "إنسان" ـ في مثال النذر السالف الذكر ـ هو مفهومٌ كلّي ذهني من ناحية كونه مفهوماً صالحاً للإنطباق على كثيرين ، والمراد ـ على مستوى المراد التصديقي ـ هي مصاديقه الخارجية لأنك تقصد إنساناً خارجياً فيه طبـيعةُ الإنسان لا إنساناَ ذهنياً ، وعلى هذا