دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٧٦٧ - (٢) أمّا الركن الثاني وهو الشكّ في طروء التغيُّر
والتراب والرماد ـ لها أحكامٌ مستقلة برأسها ، سواءً كانت متوافقة في الحكم أو متخالفة ، وأمّا مسحوق ماهيته ـ كالطحين للحنطة ـ أو منضوجُها ـ كاللحم المطبوخ والخبز ـ ونحوُ ذلك فلا تـتبدل بذلك حقيقتُها عرفاً كما لا تـتبدل حقيقتُه أيضاً ، فما ثبت تبدل حقيقته عرفاً فإنه ينـتفي فيه حكمُ الإستصحاب وذلك لثبوت التعارض حينـئذ بين ما دل على حكم حقيقة المستحال إليه ، وما يستصحب من حكم المستحيل ، فعموم ما دل على طهارة التراب أو الدود أو الملح وحليتِها يعارض استصحابَ النجاسة (لأنّ الكلبَ إذا استحال في مملحةٍ ملحاً فإنه يأخذ حكمَ الملح ـ الشارح) ، وسنبيِّنُ أنّ الإستصحاب ـ من حيث هو ـ لا يعارض الدليل من حيث هو ، مع أنّ حصول الظن بالبقاء في مثل ذلك ممنوع ، ودلالةُ الأخبار أيضاً غيرُ واضحة ، إذ حكم اليقين إنما كان ثابتاً لشيء آخر ، والذي لا يجوز نقضُه بالشك هو الحكم المتعلق بالماهية السابقة ولم تبقَ بحالها حتى يُحكَم بعدم جواز نقض حكمها ، فما حصل الجزمُ بالإستحالة العرفية فإنه يُحكم بانقطاع الإستصحاب فيه ، وما حصل الجزمُ بعدمه فإنه يُجزَمُ بجريان الإستصحاب فيه ، وما حصل الشكُّ فيه فإنه يُرجع فيه إلى سائر الأدلة (يقصد إلى أحكام عناوينها ـ الشارح) ثم إلى الأصل .
ومما ذكرنا يُعرَفُ الكلامُ في الإنـتقال مثلَ انـتقال دم الإنسان إلى بطن القمل والبرغوث والبق ، وهنا وإن كان تبدُّلُ الحقيقةِ في غاية الخفاء سيما في أوّل مَصِّ هذه الحيواناتِ للدم ، وخصوصاً في العلق ، ولكنْ إطلاقُ دمِ الحيوان الغير ذي النفس السائلة على هذا الدم مع عدم تصوُّرِ دمٍ لأغلب هذه ، إلا ما في بطنها من جهة المصّ يوجِبُ الحكمَ بالطهارة ، ففي الحقيقة يَرجع الكلامُ في أمثال ذلك إلى وجود المعارض (وهو أحكام عناوينها ـ الشارح) لا إلى عدم إمكان جريان الإستصحاب ، ولذلك توقَّفَ بعضُ المتأخرين في إفادة تغير الموضوع في ترك العمل بالإستصحاب وتأمل في كون تغير الموضوع قاطعاً للإستصحاب" (إنـتهى كلام الشيخ الأنصاري) .
أقول : كلامُه صحيح ، ولا شبهةَ فيه .
وثانياً : تطبـيقه في الشبهات الحكمية :
وحينما أراد العلماءُ تطبـيقَ الإستصحاب في الشبهة الحكمية واجهتهم بعضُ الصعوبات ، ولذلك سوف نبحث هنا مشكلةَ جريان الإستصحاب في الأحكام وفي الشبهات الحكمية . إذَنْ البحثُ هنا هو في صحّة جريان الإستصحاب في الأحكام وفي الشبهات الحكمية وعدم صحّته ، فنقول :