دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٩٣ - ٩ ـ الرجوع إلى عموم العام أو استصحاب حُكْمِ المخصِّص
دليلٌ يَدِلُّ على أنّ مجرّد التردّد ـ ولو القصير ـ يُفسد الشرطَ الثاني ـ وهو قصْدُ قطْعِ المسافة ـ ، ذلك لأنـنا استـفدنا الشرطَ الثاني من روحية الروايات لا من نصّ صريح ، فيكفي بقاءُ القصد عرفاً ـ ولو كان بالدقّة العقلية قصْداً ثانياً ـ خاصةً إذا كانت فترةُ التردّد قصيرةً للغاية . ما اُريد قولَه هو عدم صحّة استصحاب البقاء على التمام بذريعة أنه مجرّد أنه تردّد ـ ولو دقيقةً واحدة ـ فقد صار حُكْمُه التمامَ ، فنستصحب التمامَ !! وذلك لأنه لم يثبت التمامُ بمجرّد التردّد القليل ، وإنما يجب أن نقول : الأصلُ عدمُ التخصيصِ الزائد في شرطيّة القصد ، فيكفي مجرّد استمرار القصد العرفي للسفر .
المثال السادس :إذا شَكَّ شخصٌ في دمٍ أنه من جروحه وقروحه ـ ليُعفَى عنه ـ أو أنه من جروحِ وقروحِ جَرِيحٍ آخر كان قُرْبَهُ في المعركة ، أو شَكّ في كون الدم الموجود على ثيابه هل هو من دم القروح والجروح المعفوّ عنها أو أنه دمٌ خرج من أنفه حينما رَعَفَ ، أي أنّ الشكّ كان بنحو الشبهة المصداقيّة ، فهل يرجع إلى الدليل العام ـ وهو وجوب إزالة النجاسة عن بدن وثياب المصلّي ـ أم إلى الدليل المخصِّص ـ وهو العفو عن دم جروح وقروح المصلّي حتى تبرأ ـ ؟
لا شكّ في أنّه يجب إحرازُ أنه من جروحه وقروحه ، وإلاّ ـ مع عدم الإحراز ـ فإنه يجب الرجوع إلى الدليل العام وهو وجوب إزالة النجاسات ـ كالدم ـ عن بدن المصلّي وثيابه ، فإنّ القدر المتيقّن من الدليل المخصِّص ـ وهو دليل العفو عن جروح المصلّي وقروحه حتى تبرأ ـ هو ما إذا كان الدمُ مِن نَفْسِه لا مِن غيرِه ، ومن جروحه وقروحه ـ لا من رعافه الذي توقّف فوراً ـ ففي هكذا حالة يكون معفوّاً عنه . وعليه فإذا شكّ في كونه من جروح نفسه فإنه يجب الرجوعُ إلى الدليل العام ـ وهو وجوب إزالة الدم عن البدن والثياب ـ بلا شكّ ، وذلك لأنّ ظاهر (وجوب إزالة النجاسات عن بدن وثياب المصلّي) هو أنه عام لم يتعنون بعنوان (ما عدا الخاصّ) ، يعني أنّ تخصيص هذا العام ليس من قبـيل (أكْرِمِ العلماءَ ولا تُكْرِمِ الفسّاقَ منهم) التي هي بمثابة (اَكْرِمِ العلماءَ العدولَ) ، ولا يمكن إجراء استصحاب بقاء العفو عن هذا الدم ، لأنه لم يُعلم أنه كان معفوّاً عنه في الفترة السابقة ، وأيضاً لا يصحُّ الرجوعُ إلى البراءة التي هي عبارة عن أصالة عدم (تقيـيد الصلاة بعدم هذا الدم المشكوكِ المَصْدَر) بعد وجوب الرجوع إلى الأمارة .
المثال السابع : لو كان شخصٌ يضارِبُ بمالِ شخصٍ آخر ، ثم انـتهت مدّةُ المضاربة أو أنهم فسخوها ، بعد هذا الفسخ ذهب العاملُ ليَجْلِبَ المالَ فتأخّر فوق المقدار المتعارف ، ثم رَجَعَ وهو يدّعي تلفَ المالِ ! فهل يُسمَعُ قولُه بذريعة بقاء حُكْمِ أمانـته ـ كما كان الأمْرُ كذلك حين المضاربة لأنّ العامل أمينٌ فلا يَضمن أي لا يُغَرَّمُ وأنه إذا اتُّهِم يُستحلَفُ ولا يُطلَبُ منه البَـيّنَةُ ـ كما قال السيد الخوئي والسيد عبد الهادي الشيرازي والسيد محمد الفيروزآبادي ؟