دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٧٣٥ - * البحث الثالث هل الإستصحاب مسألةٌ اُصوليّة أم قاعدة فقهيّة ؟
ولكن رغم أنها قاعدة فقهيّة هي مسألة اُصوليّة أيضاً مِن حيثُ مكانِ بحثها ، بمعنى أنها يجب بَحْثُها في علم الاُصول ، وذلك لاحتمال أن يرى بعضُ العلماء ـ أثـناء البحث ـ بأنها تجري في الشبهات الحكميّة أيضاً ، كما وَقَعَ ذلك بالفعل مِن بعضهم ، فح يُستـنبَطُ منها أحكامٌ فرعيّة كليّة ، وتختص ح بالفقيه في مجال الشبهات الحكميّة . المهم هو أنّ مسألةَ تحليل الإستصحاب وفَهْم حقيقته هي مسألة اُصوليّة ، محلُّ بحثِها هو علم الاُصول . فلا تـتوهّمِ التـناقضَ في هذين القولين ، القولَ بأنّه قاعدةٌ فقهية وكونَه مسألةً أصولية ، وذلك لأنك يجب عليك أوّلاً أن تبحث في حقيقة الإستصحاب في علم الاُصول ، فإنْ رأيتَ أنه يجري في الشبهات الحكميّة أيضاً كان مسألة أصوليةً وأصلاً عملياً ، وفي موارد الشبهات الحكميّة لا يحق للعامّي أن يجريَها هو ، ولا تكونُ ح في موارد الشبهات الحكميّة قاعدةً فقهيّة ، وأمّا في موارد الشبهات الموضوعيّة ، فلأنّ الفقيهَ يقول للعامّي أجرِ الإستصحاب في الشبهات الموضوعيّة فيكون بهذا اللحاظِ قاعدةً فقهيّةً .
وذلك مثلُ أصالة الطهارة وقاعدتِها تماماً ، فقد قلنا سابقاً بأنّ قاعدة الطهارة الشرعيّة هي قاعدة فقهيّة ، ولكنْ مع ذلك ، أصالةُ الطهارة العقليّة وقاعدتها الشرعية هي مسألة اُصوليّة إذا كان استخدامُها في مجال استـنباط أحكامٍ شرعيّة كليّة ، ففي موارد الشبهات الحكمية تكون مسألةً أصولية يَنظر فيها الفقيهُ فقط دون العامّيّ ، فتكون كأصالة البراءة العقليّة وقاعدتها تماماً ، وأمّا إذا كنّا نحن والعوام على قدم وساقٍ في قاعدتَي الإستصحاب والطهارة أي نستخدمُها في مجال التطبـيق ـ أعني في مجال الشبهات الموضوعية الخارجية الجزئية ـ فهي قواعدُ فقهية . ولذلك يكون من الخطأ أن يقال (بأنّ قاعدة الطهارة ـ على إطلاقها ـ مسألةٌ فقهيّة لأنّ موضوعها خاصّ ، وليست قاعدةً مشتركة تصلح للجريان في كلّ أبواب الفقه) ، فكلّ مسألة اُصوليّةٍ موضوعُها خاصّ ، قد يكون ضيّقاً ، وقد يكون واسعاً .
المهم هو أنّ قاعدةَ الطهارة التي يُستـنبَطُ منها أحكامٌ كليّة ليست قاعدة فقهيّة أصلاً ولا خلاف في هذا ، ولا يحقّ للعامّي أن يُجريها ، فهي بذلك مسألةٌ اُصوليّة بامتياز ، وأمّا قاعدةُ الطهارة التي يطبّقها العامّيُّ في الموارد الخارجية الجزئية فهي قاعدة فقهيّة بوضوح ، ويَستـنبط منها وظيفةً عمليّة . من هنا تعرف الفرقَ بين قاعدةِ الطهارة الواقعة على المستوى العالي التي يُستـنبَطُ منها أحكامٌ كليّة ـ وهو نفس مستوى المسائل الأصولية ـ وقاعدةِ الطهارة الواقعة على مستوى منخفض ـ وهو مستوى الأحكام الكليّة والقواعد الفقهية ـ والتي يُستـنبَطُ منها وظيفةٌ عملية فقط .