دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٤٧٦ - ١ ـ الإستدلال بالكـتاب الكريم
٢ ً ـ إنّ سياق [يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ] ـ أي القَرْن بين الإيمان بالله جلّ وعلا وبين الإيمان للمؤمنين ـ يفيدُ مدْحَ رسول الله (ص) لأنه يؤمنُ بالله ويصدّقُه ، وجاءت كلمةُ [وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ] بعدها مباشرةً ، ممّا يعني أنّ تصديق المؤمنين أمْرٌ حسَنٌ جداً ، ولازمُ حُسْنِه وَجُودِهِ هو حجيّة قولهم ، كما تقول أنا أعرف الطبـيـبَ الفلاني ، يا ليتك تؤمِنُ به وتـتبِعُه ، هذا الكلام يفيدُ إعطاءَك الحجيّةَ لقوله .
فإنْ قلتَ : لعلّ قوله تعالى [وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ] هو في مقام مدْحِ مَن يُحْسِنُ الظنَّ بالمؤمنين ، ولا يتّهمهم بالكذب والإفتراء ، ولو من باب المداراة ، وليس في مقام إعطاء الحجيّة لهم ، فالآيةُ من قبـيل ما رواه الشيخ الصدوق في كتابه عقاب الأعمال عن محمد بن موسى بن المتوكل (ثقة) عن محمد بن يحيى عن سهل بن زياد عن يحيى بن المبارك (مجهول والمظنون وثاقته) عن عبد الله بن جبلة (ثقة) عن محمد بن فضيل (ضعيف يُرمَى بالغُلُوّ) عن أبي الحسن موسى (ع) قال قلت له : جُعِلْتُ فِداك ، الرجل من أخواني يـبلغني عنه الشيءُ الذي أكرهه ، فأسألُه عنه فيُنْكِرُ ذلك ، وقد أخبرني عنه قوم ثقات ! فقال لي : يا محمد ، كَذِّبْ سمْعَكَ وبصرَك عن أخيك ، فإنْ شَهِدَ عندك خمسون قسامة ـ أي على الأخ ـ وقال لك قولاً فصَدِّقْهُ وكَذِّبْهُم ، ولا تُذِيعَنّ عليه شيئاً تُشِينُه به ، وتَهْدِمُ به مُرُوَّتَهُ ، فتكونَ من الذين قال الله [إنّ الذين يُحِبُّونَ أنْ تَشِيْعَ الفاحِشَةُ في الذين آمنوا لهم عَذابٌ أليمٌ في الدنيا والآخِرَة][٤٤٠]، ورواها الكليني عن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد مثله .
قلتُ : ما ذكرتُم غير صحيح ، لأنّ معنى [وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ] أي يصدّقهم ، وهي تـفيد بوضوح إعطاءَ الحجيّةِ لقولهم شرعاً ، فيجب علينا أن نعمل بشرع الله بأن نؤمِنَ للمؤمنين وأن نـتأسّى برسول الله (ص) في ذلك ، خاصّةً إذا كان الأخ المؤمنُ يدافع عن نفسه ، فح يجب تصديقُه ، وح يلزم تكذيـبُ القُسامة إذا كانت القسامةُ تَضُرّه ، بمعنى أنّ الآية بصدد الإرشاد إلى أن نأخذ بما ينفع المؤمنين فقط ، ولا نأخذ بما يضرّهم ، لذلك هو اُذُنُ خيرٍ للمؤمنين ، ولذلك قال الله [قُلْ أُذُنُ خَيـْرٍ لَّكُمْ] ، إلاّ إذا كان الأمر في مجال الإدعاء على المؤمنين ، فح يحتاج إلى شاهدَين عادلَين أو أكثر .
فإنْ قلتَ : لا يمكن الإيمانُ بإرادة إعطاء الحجيّة لكلام المؤمن مطلقاً ، وذلك لأنّ المؤمن قد يَنِمّ على مؤمن آخر ، فلا يكون الرسول (ص) ح اُذُنَ خيرٍ بالنسبة إلى المؤمن الآخر .
[٤٤٠] مرآة العقول في شرح أخبار الرسول للعلاّمة المجلسي (توفّي سنة ١١١١ هـ ق) ج ٢٥ وهو شرح لكتاب الروضة من كتاب الكافي ص ٣٥٦ تحت رقم ١٢٥ .