دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٤٥٩ - ٣ ـ دعوى التمسّك بالإجماع
أوّلاً : يـبعد الإيمان بأنّ السيد المرتضى يقول بعدم حجيّة خبر الثقة ، فضلاً عن اعتقاده الإجماعَ على ذلك ، وذلك لجزْمِ الشيخِ الطوسي بإجماع الطائفة على حجيّة خبر الثقة ، وهما في زمان واحد ومكان واحد ، فإنّ الشيخ الطوسي قد درس مع السيد المرتضى عند الشيخ المفيد ، ثم بعد وفاة الشيخ المفيد درس الشيخُ الطوسي عند السيد المرتضى ٢٣ سنة ، إذن معارف كلّ واحد منهما من العلماء هي نفس معارف الثاني ، كما ونستبعد التسامحَ منهما أو من أحدهما وهما العالمان الجليلان ، على أنّ مسألة حجيّة خبر الثقة مسألةٌ محل ابتلاء يومي عند الفقهاء ، والشيخ الطوسي كان زميلاً للسيد المرتضى في الدرس كما قلنا ثم تلميذاً عنده ، فاللازم أن يَعرِفَ رأيَ السيد المرتضى في هكذا مسألة مهمّة وإبتلائيّة .
وأغلبُ الظنّ أنّ نظر السيد المرتضى إنما هو إلى أخبار الآحاد عند العامّة ، كما عرفتَ ذلك من كلام الشيخ الطوسي السابق ، لاحِظْ قولَه مرّةً ثانية :
"فإن قيل : أليس شيوخُكم لا يزالون يناظرون خصومَهم في أن خبر الواحد لا يُعمل به ، ويدفعونهم عن صحة ذلك ، حتى أن منهم من يقول : "لا يجوز ذلك عقلاً" ، ومنهم من يقول : "لا يجوز ذلك لأن السمع لم يرد به" ، وما رأينا أحداً منهم تكلم في جواز ذلك ، ولا صنف فيه كتاباً ولا أملَى فيه مسألة ، فكيف تدَّعون أنـتم خلافَ ذلك ؟
قيل له : مَن أشرتَ إليهم مِنَ المنكِرين لأخبار الآحاد إنما كلّموا مَن خالفهم في الإعتقاد ودفعوهم عن وجوب العمل بما يروونه من الأخبار المتضمّنة للأحكام التي يروون هم خلافها ، وذلك صحيح على ما قدمنا ، ولم نجدهم اختلفوا فيما بـينهم .." (إنـتهى) .
والظاهر : أنّ مقصوده من قوله "شيوخكم" الذي يقول بعدم حجّية خبر الواحد هو السيد المرتضى q .
ثانياً : سيأتينا في الأخبار المستـفيضة أو المتواترة عن الثقات عن المعصومين (ع) ما يفيدُ حجيّةَ خبر الثقة ، ممّا يوهن صحّة ما نُسِبَ إلى السيد المرتضى .
ثالثاً : يـبعد وجود سيرة متشرّعية على عدم حجيّة خبر الثقة مع ما ستعرف من وجود سيرة متشرّعية على العمل بأخبار الثقات ، وإمضاءِ الأئمّة لهذه السيرة ، ومع وجود ما قلناه من تواتر أخبار الثقات على حجيّة خبر الثقة .