دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ١٣٣ - الإطلاق والتـقيـيد
*والمراد من (الماهيّة المهمَلة) هو الماهيّة اللابشرط المـقْسَمي ، فإنها موجودة في الماهيّة المطلقة والماهيّة المقيّدة ، وليست هذه الماهيّة عقليّةً محضة ـ كالإنسان النوع الذي لا يوجد إلاّ في الذهن ـ كي يقال بأنها لا يمكن إيجادُها في الخارج ، وإنما المراد من الماهيّة اللابشرط المـقْسَمي هي تلك الماهيّة التي توجد في الخارج ، ولكن مع غضّ النظر عن مَقْسَمِيّتها وجامعيّتها ، وإنما النظر مقصور على ذات الماهيّة لا غير .
وهي ـ أي الماهيّة المهمَلة ـ نفسُها الماهيّةُ المرئيّة من الماهيّة اللابشرط القِسْمي ـ التي هي في مقابل الماهيّة المطلقة والماهيّة المقيّدة ـ ولا فرق بـينهما .
* ثم اعلمْ أنّ المولى العادي إذا أمَرَ خادمَه بأن يتصدّق على الفقير ـ مثلاً ـ ولم يقيد الفقيرَ بقيدٍ ، فهو عادةً لا يلحظُ إلاّ ذاتَ الماهيّة ، ولا يلحظ كلّ التـقيـيدات ، ولو لأنها لا حدّ لها ، ولكنْ عدمُ اللحاظ لا يُتصوّر في الباري ، فيجب عقلاً أن نقول إنّ الإطلاق عند المولى عَزّ وجَلّ هو لحاظ عدم التـقيـيد . صحيحٌ أنه يكفي عدمُ لحاظ القيود في تحقّق الإطلاق ، لكنْ عدمُ اللحاظ لا يُتصوّر في الله جلّ وعلا الملتفِتِ دائماً إلى كلّ شيء . ولذلك نقول إنّ الإطلاق عند المولى العادي هو عدم اللحاظ ، وعند الله جلّ وعلا هو لحاظ العدم .
على كلٍّ ، فإن لم يقيّد المولى الفقيرَ بقيدٍ مع قدرته على التـقيـيد ومع كونه في مقام بـيان تفاصيل الموضوع ومع التفاته إلى الإطلاق والتـقيـيد فهذه المقدّمات تـثبِتُ أنّ المتكلّمَ لا يريد ـ ثبوتاً ـ التـقيـيدَ ، إذ لو كان يريد التـقيـيدَ لَقَيَّدَ . هذه المقدّمات اللفظيّة والحاليّة يسمّونها ـ كإصطلاح ـ مقدّمات الحكمة أو قرينة الحكمة ، وإن كان الاَولى أن نسمِّـيَها مقدّمات الإطلاق .
وأمّا إنْ قيَّدَ ، فالتـقيـيدُ على نحوين ، فإمّا أن يكون من قبـيل "أكرمِ الفقيرَ العادلَ" وإمّا أن يكون من قبـيل "إن كان الفقير عادلاً فأكرِمْه" ، وسيأتي في بحث المفاهيم الفرقُ بـينهما ، ومختصرُه هنا هو أنه ـ في الصيغة الأولى ـ إنِ انـتفتِ العدالةُ من الفقير فقد يجب إكرامُه بملاك آخر كالعالميّة أو الهاشميّة ، أي إن انـتفت عدالته فإنّ شخص وجوب الإكرام ينـتـفي ، وذلك لأنّ (الفقير العادل) هما بمثابة الكلمة الواحدة ، فكأنك قلتَ أكرِمْ هذا الصنفَ من الناس ، فهكذا جملةٌ لا تـنفي وجوبَ إكرام صنف آخر من الناس ، كالفقير الهاشمي .
لكن ـ في الصيغة الثانية ـ إن انـتـفتِ العدالةُ وكنّا قد استفدنا انحصارَ وجوب إكرامه بكونه عادلاً فلا يجب ح إكرامُ الفقير بأيّ ملاك آخر ، أي ينـتـفي طبـيعي وجوب الإكرام ، وهذا هو الفرق بين الجملة الوصفية والجملة الإنحصارية .