دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٧٧٧ - (٢) أمّا الركن الثاني وهو الشكّ في طروء التغيُّر
وهكذا نستـنـتج على ضوء المقدمتين اَنّه كلَّما كانت الخصوصية غيرُ المحفوظة في الموضوع أو في القضية المتيقنة حيثيةً تعليليةً فلا ينافي ذلك وحدةَ الحكم حدوثاً وبقاء ، ومعه يجري الإستصحاب ، وكلَّما كانت الخصوصية مقومةً للمعروض كان انـتـفاؤها موجِباً لتعذر جريان الإستصحاب لأنّ المشكوك حينـئذٍ مباينٌ للمتيقن .
اِنْ قلتَ : اِنّ مصداق الماء الذي هو موضوع للنجاسة الخارجية واِنْ لم يتبدل اِلاّ اَنّ حكمه ـ وهو النجاسة ـ يُحتمَلُ تبدلُه بقاءً ـ إلى الطهارة ـ ، كما إذا كانت النجاسة السابقةُ مجعولةً للماء المتقذِّر بالفعل فتكون النجاسة بعد زوال تقذُّرِ الماء جعلاً آخر ، وتعدُّدُ الجعْلِ يوجِبُ تعدُّدَ الحكمِ لا محالة .
قلنا : مع فرض كونِ النّظر إلى عالم المجعول الخارجي وبالحمل الأوّلي فسوف تكون النجاسة الخارجية موضوعُها ذاتُ الماء المتـقذِّر المحفوظة بقاءً أيضاً ، وتكون كل الحيثيات التقيـيدية للجعل تعليلية للمجعول ، فالنجاسة السابقة ولو فرضت بجعلٍ آخَرَ تكون من قبـيل حرارة الماء بالنار وحرارتِه بالشمس بقاءً لشخص النجاسة السابقة فيجري الإستصحابُ فيها"[٧٧٩](إنـتهى كلام سيّدنا الشهيد) .
أقول : لا يمكن جريان استصحاب الحكم الفعلي مع غضّ النظر عن موضوعه ، وذلك لأنّ الشكّ إنما هو في بقاء موضوع النجاسة الذي هو عِلّة النجاسة . وبتعبـيرٍ آخر : لا يمكن إجراءُ الإستصحاب في المعلول ـ أي الحكم ـ الذي هو ظلّ لموضوعه ونغضّ النظرَ عن موضوعه ، وإنما يجب أن نـنظر إلى موضوع النجاسة وعلّتها وإلى موضوعِ حرمة الوطء في عالم الجعل . فمثلاً : لو أزلنا القذارةَ عن المحلّ فإنه لا يصحّ أن نستصحب النجاسةَ ـ كحُكْم ـ مع زوال نفس القذارة ـ كموضوع ـ ، وهذا أمْرٌ يجب أن يكون مسلّماً .
على أنّ استصحاب الحكم من دون صلاحيّة على استصحاب الموضوع ـ لتغيّرِه عرفاً ـ هو كاستصحاب الزوجيّة في حال زوال الأربعة ! وهذا من المضحكات ، إذ ليس الحكمُ إلاّ معلولاً للموضوع .
[٧٧٩] كان الأَولى أن يُعَبِّرَ هكذا : "مع فرض كون النّظر إلى العالَم الخارجي فسوف تكون النجاسة الخارجية موضوعُها ذاتُ الماء المتقذّر المحفوظ بقاءً بعد زوال التـقذّر أيضاً ، وذلك لاحتمال كون التقذّر حيثيةً تعليلية لا تقيـيدية ، فالنجاسةُ اللاحقة ـ ولو فُرِضَتْ بجعلٍ آخر ـ ستكون بقاءً لشخص النجاسة السابقة ، وذلك لجريان الإستصحابِ في موضوع الحكم" . أقول : لا أدري ! كيف يقول "فالنجاسةُ اللاحقة ولو فُرِضَتْ بجعلٍ آخر ستكون بقاءً لشخص النجاسة السابقة" ؟! ألا ترى التـناقضَ واضحاً في هذه الجملة ؟! إذ كيف يكونُ الجعلُ جعلاً آخر ، وفي نفس الوقت يكون بقاءً لشخص النجاسة السابقة ؟!! وهذا أشبهُ شيءٍ بقولهم "أوجد اللهُ زيداً يوم القيامة ـ بعد إفنائه ـ بوجودٍ آخَرَ ومع ذلك هو نفس زيد السابق" مع أنه بإيجاد آخر !! لا ، بل كيف يكون جعلاً آخر بإستصحاب الجعل السابق ؟! أليس هذا عجيـباً ؟!