دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ١٦ - المـقـدّمـة
المتعالية رغم أنّ اهتمامي كان في قم المقدّسة لسنين طويلة بهذه المادّة ، وإنما كتبت بعض الرسائل في ذلك كرسالة (علم الباري تعالى) ، والسبب الثالث هو أنّ كلَّ هدفِنا من كتابة هذا الكتاب هو إفادة طلاب مرحلة الدراسات العليا وكتابةُ الأمور المهمّة جداً حتى ولو كانت خارج موضوع علم الأصول ، لكنْ يجب كتابةُ ذلك في الحاشية لا في المتن كي لا يختلّ نظام الكتاب ويخرجَ عن موضوعه الأساسي ، ولا سيّما وأنّ بحث الدراسات العليا هو خارج الكتب والمتون وغيرُ مقيّد كثيراً بموضوع علم الأصول ، لذلك ترى كلّ علمائـنا يخرجون عن موضوع علم الأصول قليلاً أو كثيراً ، ولا مشكلة في ذلك ، لكلّ هذا رأينا أنه لا مانع من أن نكتب في هذا الأمر المهم جداً .
كما أنه يجب لفْتُ أنظارِ الطلاب الأعزاء أنه هناك فرق بين الملازمة العقلية والملازمة العادية ، فإنّ الكثيرَ منهم يشتبهون في التميـيز بـينهما . مثلاً : يتوهّم بعضُهم أنّ الملازمة بين حركة يدي وحركة المفتاح الموضوع داخلَ يدي أنها ملازمة عقلية ، مع أنها ملازمةٌ عادية تكوينية ، وليست عقلية ، وذلك لأنه يمكن للباري تعالى أن لا يحرّك المفتاحَ رغم تحريكي ليدي ، أي يمكن الإنفصال بـينهما ، مع أنه في الملازمات العقلية لا يمكن عقلاً ـ أي لا يمكن حتى للباري عزّ وجلّ ـ أن يفصل بـينهما ، كما في الملازمة بين الأربعة والزوجية . مثالٌ آخر : يتوهّم البعضُ أنّ بين النار والحرارة ملازمةً عقلية ، مع أنّ هذا وهمٌ أيضاً ، فإنّ هذه الملازمة هي ملازمة تكوينية عادية لا عقلية ، وذلك بدليل أنه يمكن للباري تعالى شأنه أن يَفْصِلَ بـينهما أيضاً ، فقد فَصَل بـينهما في قصة نبـيِّه إبراهيم الخليل tإذ قال في سورة الأنبـياء [قُلْنَا يَا نَارُ : كُونِي بَرْداًوَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)] ولم يغيّر ماهيةَ النار ، وإنما أمَرَها ـ وهي باقيةٌ على ماهية النار ـ أن تكون برداً وسلاماً على إبراهيم (ع) ، وكذا في الكثير من الأمثلة التي يتوهّم الإنسانُ فيها وجودَ ملازمة عقلية مع أنها في الحقيقة هي ملازمة عادية كضرب الآخرين بشدّة ووجع المضروب ، فإنه يمكن أن تضرب شخصاً بشدّة وأن لا يوجعه اللهُ تعالى ولو بتخديره لموضع الضرب .
* كما ستلاحظ أنـنا وضعنا العناوين الصحيحة في أوائل الأبحاث ، ولم نُعَنْوِنِ الأبحاثَ بالعناوين التي ذكرها بعضُهم خطأً ، فلم نـقلّد في شيء من ذلك ، مثالُ ذلك : لم نكتب عنوان (الواجب المعلّق) وإنما جعلنا العنوان (دليل وجوب المـقدّمات المـُفَوّتة) وذلك لأنّ أصل البحث هو في بـيان الوجه في وجوب المقدّمات المفوّتة مع أنّ الوجوب لم يَصِرْ فِعْلياً بَعدُ ، فتخلّص صاحبُ الفصول من هذه المشكلة بنظريّته المعروفة بـ (الواجب المعلّق) .