دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٧٦٢ - (١) أمّا الركن الأوّل وهو ثبوت الحالة السابقة بدليل شرعي
قاعدة الطهارة لاحتمال الطهارة مَقامَ العلم واضحاً ، ويَفهم من ذلك العرفُ أنك يجب أن تعتبر نفسَك متيقِّناً بطهارته .
وعليه ، فإن كنتَ بانياً على الطهارة مثلاً ـ بناءً على قاعدة الطهارة ـ ثم شككتَ في عروض النجاسة ، فإنك تَستصحِب الطهارةَ في هذه الحالة أيضاً ، لأنها كانت ثابتةً شرعاً بقاعدة الطهارة ، وذلك لأنّ المولى تعالى نزّل الطهارةَ ـ كما رأيتَ في موثّقة عمّار ـ منزلةَ الطاهر الواقعي ، ثم شككتَ في طروء النجاسة ، فلا محالة ، عليك أن تستصحب الحالةَ السابقة الثابتة شرعاً ، ولا يجب أن تكون الحالةُ السابقة ثابتةً دائماً بالعلم . ومن الواضح هنا أنّ هذا الإستصحاب هو استصحاب للحكم الظاهري . وقد تكون الحالةُ السابقة ثابتةً بنحو اليقين ، أي ثابتةً واقعاً بنظر القاطع ، كما لو طهّرتَ ثوبَك تطهيراً قطعياً ثم شككتَ في طروء النجاسة عليه ، فلا محالة يكون الإستصحاب هنا استصحاباً للحكم الواقعي بنظرك .
*وهنا قد تـتساءل وتقول : إنـنا عرفنا أنّ اليقين الوارد في موضوع الإستصحاب هو طريقي ـ وليس صفتيّاً ـ أي هو بمعنى الدليل والحجّة ، فعليه إنْ شككنا في طهارة ماءٍ معيّن ، وكانت حالته السابقة النجاسةَ ، أليس لنا أن نُجري قاعدةَ الطهارة ـ دون استصحاب النجاسة ـ لقيام قاعدة الطهارة مقام العلم المأخوذ في موضوع الإستصحاب ؟!!
والجواب : لا ، لا يمكن أن نُجري قاعدةَ الطهارة في هكذا حالة ، وذلك لأنّ قاعدةَ الطهارة تقول : إن لم يكن عندك حالةٌ سابقة فالأصلُ هو الطهارة ، ودليلُ الإستصحاب يقول : إن كان عندك دليلٌ على الحالة السابقة فابْقَ عليها ، والمفروض أنـنا عندنا دليل على ثبوت الحالة السابقة ، فيكون الإستصحاب إذن وارداً على قاعدة الطهارة ، لأنه يُلغي شرطَ قاعدة الطهارة ، لأنّ شرط قاعدة الطهارة هو "عدم وجود حالة سابقة شرعاً" ، وقاعدةُ الإستصحاب أثبتتِ الحالةَ السابقة ، فإذن الإستصحابُ ألغَى شرطَ قاعدة الطهارة .
*جريان الإستصحاب مع اليقين التقديري :
والمراد من هذا السؤال هو أنه لو قال لك المولى مثلاً : "أكرِمِ العالِمَ" وكنت تعلَمُ أنّ فلاناً سيصير عالماً بعد عشرين سنة ، فهل يجب إكرامُه ؟
الجواب : لا شكّ في عدم وجوب إكرامِه أصلاً لأنه ليس عالماً فعلاً ، والعناوين ظاهرةٌ في الفعليّة .